محمد بن محمد ابو شهبة

145

المدخل لدراسة القرآن الكريم

بسبب نزول آية يخبر بها الصحابي أو نحو ذلك » . وقال « الزركشي » في البرهان : « قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال : نزلت هذه الآية في كذا ، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم ، لا أن هذا كان السبب في نزولها ، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية ، لا من جنس النقل لما وقع » . قول التابعي في سبب النزول : قد علمت مما تقدم من أن قول الصحابي في سبب النزول له حكم المسند المرفوع ، وأما قول التابعي في أسباب النزول فهو مرفوع أيضا ، لكنه مرسل لحذف الصحابي ، وقد يقبل إذا صح السند إليه ، وكان الراوي من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر ، أو نحو ذلك . تفريع على ما تقدم : وعلى هذا إذا وردت روايتان أو أكثر ، وكانت إحداهما نصّا في بيان سبب النزول والثانية ليست نصّا فيه ، أخذنا في السببية بما هو نص ، وحملنا الأخرى على بيان المعنى ؛ مثل ذلك ما أخرجه « مسلم » في صحيحه عن جابر قال : « كانت اليهود تقول من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل اللّه سبحانه : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 222 ] الآية » أي من أي جهة شئتم ، أو على أي حال شئتم ، فأنى للكيفية ، والحال ، لا للمكان . وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال : أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . . . في إتيان النساء في أدبارهن ، يعني في تحريم ذلك . فالمعتمد عليه في بيان السبب هي رواية « جابر » لكونها نصّا في ذلك ، أما رواية « ابن عمر » فتحمل على بيان المعنى ، وحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم ، استنباطا منه ، وهذا هو اللائق بالصحابي ؛ القول بالتحريم .