محمد بن محمد ابو شهبة
115
المدخل لدراسة القرآن الكريم
القول الثالث : إن أول ما نزل سورة « الفاتحة » وقد عزا هذا القول الزمخشري في « كشافه » إلى أكثر المفسرين ، ورد عليه الحافظ ابن حجر : بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل ، وإلى هذا الرأي مال الأستاذ الإمام الشيخ : محمد عبده في تفسير سورة « الفاتحة » . وقد استدل الذاهبون إليه بما رواه البيهقي في « دلائل النبوة » والواحدي بسنده عن أبي ميسرة - عمرو بن شرحبيل - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لخديجة : « إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء ، فقد - واللّه - خشيت أن يكون هذا أمرا » « 1 » فقالت : معاذ اللّه ! ما كان اللّه ليفعل بك « 2 » ، فو اللّه : إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم وتصدق الحديث ، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له ، وقالت : اذهب مع محمد إلى « ورقة » - يعني ابن نوفل - فانطلقا ، فقصا عليه ، فقال : « إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي : يا محمد ، يا محمد فأنطلق هاربا في الأفق » ! ! فقال : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ، ثم ائتني ، فأخبرني . فلما خلا ناداه : يا محمد قل : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ . . الحديث . ويجاب عن هذا القول : بأنه حديث مرسل ، وإن كان رجاله ثقات فلا يعارض حديث عائشة المرفوع ، فالراجح هو الأول . أقول : وليس فيه التنصيص على أن الفاتحة أول ما نزلت ، فيجوز - على فرض صحة هذا المرسل أن تكون من أوائل ما نزل ، وإلى هذا ذهب البيهقي قال : وإن كان - أي المرسل - محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه « اقرأ » و « المدثر » « 3 » والظاهر أن الفاتحة من أوائل
--> ( 1 ) يعني شيئا أكرهه ، أو يراد به لي الضرر . ( 2 ) أي شيئا تكرهه ، أو يلحق به ضررا ، لأن أخلاقك تبعد عنك أي سوء . ( 3 ) الإتقان ج 1 ص 24 .