محمد بن محمد ابو شهبة

100

المدخل لدراسة القرآن الكريم

( رد عام لفكرة الوحي النفسي ) إن فكرة الوحي النفسي كما صوروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدخرة في العقل الباطن وأنها تظهر في صورة رؤى ثم تقوى فيخيل لصاحبها أنها حقائق خارجية ، فهل كان الدين الذي جاء به خاتم الأنبياء بعقائده وتشريعاته في العبادات والمعاملات ، والحدود والجنائيات ، والاقتصاد والسياسة ، والأخلاق والآداب ، وأحوال السلم والحرب مركوزا ومدخرا في نفس النبي صلى اللّه عليه وسلم هذا ما تنكره العقول بداهة ؛ لأن ما جاء به النبي في العقائد يعتبر مناقضا لكل ما كان سائدا في العالم حينئذ من عقائد كالوثنية ، والمجوسية ، والتأليه ، والتثليث والصلب ، وإنكار البعث واليوم الآخر ، وكذلك جاء النبي بتشريعات ما عرفت في الشرائع السابقة سماوية وغير سماوية ، واشتمل القرآن على أسرار في الكون ، والآفاق والأنفس ما كانت تخطر على بال بشر قط ، ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم المعارف في العصر الأخير ، فكيف تكون هذه الأسرار من داخل نفس النبي صلى اللّه عليه وسلم وهي لم تخطر له على بال . وأيضا فإن الوحي بعد نزول صدر سورة « اقرأ » على النبي وهو يتعبد بغار حراء قد انقطع مدة من الزمان ، لم ينزل فيها قرآن ، فكيف سكت النبي طوال هذه المدة ، وهو صاحب العقل الباطن المملوء بالمعارف ، والوجدان الملتهب ، والنفس المتوثبة للإصلاح أخبرونا يا أصحاب العقول . ثم إن العقل الباطن على ما يقول علماء النفس ، إنما يفيض بما فيه في غفلة من العقل الظاهر ، ولذلك لا يظهر ما فيه إلا عن طريق الرؤى والأحلام ، الأمراض ، كالحمى مثلا ، وفي الظروف غير العادية ، والقرآن الكريم نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في اليقظة ، وفي اكتمال من عقله وبدنه ، ولم ينزل منه شيء في الرؤى والأحلام ، وهكذا نرى أن ما استندوا