محمد فاروق النبهان
29
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وارتبط الدين منذ القديم بمفهومين : الأول : ارتباط الدين بالحضارة والثقافة ، وهذا ما يؤكد أن المعابد القديمة كانت مراكز إشعاع ثقافي وعلمي ، فالدين يدعو إلى العلم ويشجع التعليم ، وكان رجال الدين هم علماء عصرهم ، وكانت المعابد الأولى مدارس للتعليم ، وحيث يكون الدين تكون الحضارة وحيث يكون الدين تكون الثقافة ، وفي تاريخنا الإسلامي كانت المساجد هي المدارس الأولى ، وكانت هي الجامعات الأولى في العالم الإسلامي ، وأول تدوين منظم ومدقق كان تدوين القرآن ، وأول علم من علوم العربية كان في إطار علوم القرآن . الثاني : ارتباط الدين بحرية الإنسان وكرامته ، ويؤكد هذا تاريخ الأديان ، فالدين في أساسه وفي منطلقه هو تحرير للإنسان من العبودية والظلم ، وتوعية له لكي يدرك إنسانيته ، وكان الأنبياء هم رموز الحرية وهم أبطال الإنسانية ، وكان جهادهم الأول هو الدفاع عن كرامة الإنسان ، والقصص الواردة في القرآن تؤكد هذه المعاني ، وتبين أن الأنبياء كانوا حلفاء المستضعفين في الأرض ، يدافعون عن حريتهم ويوقظون في نفوسهم مشاعر الاعتزاز بالكرامة ، ولهذا وقع الاصطدام عنيفا وقويا بين الأنبياء ورموز القوة والسلطة والجبروت ، وفرعون في القرآن هو رمز للاستكبار ، ورمز لادعاء الربوبية ، ولهذا تصدى له موسى وتحداه ، وكشف عن خداعه وظلمه وطغيانه . والدين الحقيقي هو الدين الذي يسعى في إسعاد البشر ، ينظم حياتهم ، ويقيم العدل فيهم ، ويقاوم رموز الظلم والطغيان ، وينمي في الإنسان مشاعر إنسانية ، فيكون أقرب لأخيه الإنسان ، لا يظلمه ولا يغدر به ولا يقتله ولا يعتدي على حريته وكرامته وعرضه وماله ، فإذا سكت الدين عن الظلم أو أقرّ به ، فهذا ليس من الدين . ويكفي الدين فخرا واعتزازا أنه كان باستمرار منارة هداية للمجتمع ، يبني ولا يهدم ، ويعلم ولا يدعو إلى جاهلية ، وينير مسالك المؤمنين به ، ويدعوهم إلى التمسك بالأخلاق وإلى محاربة كل أنواع الظلم والعدوان والفجور والانحراف ،