محمد فاروق النبهان

30

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

ولا يتصور الدين إلا في هذا الإطار من المبادئ والمثل ، ولهذا اضطهد الأنبياء والرسل وحوربوا ووقع الاعتداء بهم ، ووقفت قوى الجاهلية المتمثلة في أصحاب السلطة والمكانة والمال الذين وجدوا في الدين محررا للمستعبدين ورافعا الظلم عن المظلومين ، ومتحالفا مع الضعفاء والمحكومين ، معترفا لكل هؤلاء بكرامة إنسانية غير منقوصة ، رافعا من شأنهم ، واضعا قيما اجتماعية تعطي الأفضلية للمتقين والصالحين . وسنة الأنبياء واضحة ، وتعاليمهم متكاملة ، وشرائعهم واحدة ، تنطلق كلها من منطلق واحد ، وتنهل من معين السماء ، إيمانا بالله وبما جاء من عنده ، والتزاما بمنهج اللّه في الحياة ، استقامة وعدلا . وظاهرة الوحي ملفتة للنظر داعية للاهتمام ، وهي ليست صورة مادية يحاكمها العقل ، ويرتضيها أو يرفضها ، لأنها خارجة عن نطاق المدركات العقلية ، والعقل السليم لا يمكنه أن يرفض هذه الظاهرة ، لأنه يدرك حجم قدراته ، ويتوصل بهذه القدرات المحدودة إلى التسليم بما هو خارج عن نطاقه الحسي ، والحس محكوم بدائرة ضيقة ، ولا يمكنه أن يحيط بالكون ، وما أثبته العلم اليوم عن طريق الوسائل العلمية والبراهين المادية هو جزء يسير من حقيقة الكون ، وما عجز عنه الإنسان لا يقاس بما قدر عليه . ويكفينا في مجال الوحي أن نستعمل عقولنا في دراسة الظاهرة من خلال ما نراه منها من معرفة واسعة لشخصية الرسل ، وسيرتهم ، وحياتهم وسلوكهم وأفكارهم ، ومثل هؤلاء لا يمكن إلا أن تقع الثقة بما يقولون ، وأن يقع الاطمئنان لما يدعون ، وما يدعون إليه ليس فيه ما يطمع نفسا أو يحقق رغبة ، فدعوة الرسل هي دعوة خير وهداية وتحرير وإرشاد وتعليم ، وكيف يصح لعاقل أن يتردد في قبول كلمة حق سمعها أو دعوة لهداية تلقاها . لو كان الأنبياء ممن عرفوا في قومهم بسوء الخلق لما صدقهم أحد ، ولما اتبع ملتهم أحد ، ولو كان أمرهم صادرا عن هوس وهذيان يتراءى لهم فيه الشيطان لما خفي أمرهم على مجتمعهم ، ولما اطمأن المجتمع إلى كلامهم ، ولو