محمد فاروق النبهان
243
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وتساءل الجرجاني في معرض حديثه عن إعجاز القرآن ، ما ذا أعجز العرب ، هل أعجزهم لفظ القرآن أم أعجزهم معناه ، لا شك أن ما أعجز العرب « هو تلاقي اللفظ والمعنى معا » ، فلا مجال للإعجاز في لفظ دون معناه ، ولا مجال للإعجاز في معنى دون لفظ ، فالإعجاز هو نتاج علاقة تكاملية بين اللفظ والمعنى ، ولا يمكن تصور الفصاحة في إطار لفظ دون معنى ، فالصورة البيانية هي نتاج لفظ معبر ومعنى يجسد الصورة ، ويعطي للألفاظ أبعادها وصورها وجمالها ، فاللفظة المفردة لا يمكن أن تكون معجزة ، لأنها تظل قاتمة صامتة لا تنطق والمعنى العظيم هو الذي ينطق اللفظ ويجعل له لسانا معبرا ، وعندما يتحدث أهل البيان عن الألفاظ الجميلة والألفاظ القلقة والمستكرهة ، فإنهم لا يقصدون على وجه التأكيد مجرد اللفظ ، فاللفظ لا يمكن وصفه بدقة إلا في إطار ملاءمته لمعناه المراد ، وحسن انسجامه مع الألفاظ الأخرى في الجملة الواحدة بحيث يصبح الكلام معبرا أحسن تعبير عن معنى مراد . وبالرغم من اهتمام الجرجاني بالتلاؤم والانسجام والتوافق بين اللفظ والمعنى فإنه لا يتجاهل أهمية اللفظ ، فاللفظ هو الأداة الأولى للتعبير ، وهو الجانب الواضح في النظم ، وهو معيار ضروري لجودة الكلام وفصاحته وبيانه ، فاللفظة تجد مكانها المناسب والمعنى الدقيق يبحث عن لفظ معبر ، ولولا ذلك اللفظ لما ظهرت المعاني ولما برزت الفصاحة ، فاللفظة تقع في الجملة معبرة مجسدة مصورة مبينة ناطقة ، وكأنها تصور المعنى تصويرا ، وترسم الملامح بدقة ، فتكون أكثر قدرة على التأثير ، فلا يستطيع القارئ أو السامع إلا أن يجد فيها المعنى الذي يريد أو تحدثه هي عن المعنى المراد . وفي مثل هذه المواقف لا يملك الإنسان إلا أن يقف بإعجاب أمام اللفظة المعبرة عن المعنى ، وينظر في النظم فيجد التلاؤم والتكافل والتعاهد بين اللفظة واللفظة ، وكأن كل لفظة تقود إلى أخرى مجسدة الصورة البيانية ، معبرة عن معنى أراده الكلام .