محمد فاروق النبهان

239

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

الكلمات إلى بعضها فيقع التناسب والتجانس ، ويتحدد في هذا الإطار موقع اللفظة من حيث دورها في التعبير عن المراد ، والكلمة ينظر إليها من زاويتين : الأولى : نظرة في حال إفرادها ، ونظرة أخرى في حال نظمها مع غيرها ، ولا بد من تحديد مفهوم الكلمة بذاتها من حيث وضعها عند أهل اللغة ، ومفهومها في إطار موقعها في الجملة من حيث موقعها الإعرابي ، ومفهومها حين تأخذ مكانا خاصا في الكلام ، من حيث المعنى المستفاد منها . . . والكلمة لا يمكن أن تفهم إلا في إطار موقعها العام في الكلام ، والوظيفة التي تؤديها ، فقد تفهم المعاني ، وتتحد المفردات ، ثم يقع التباين في مدى الفصاحة والبيان والإفهام والتأثير ، وهنا نكتشف عظمة الدور الذي يؤديه اختيار الكلمة وموقعها ، وهنا تبرز الفصاحة . . وهذا يؤكد اهتمام القاضي عبد الجبار بالنظم ، والنظم كما أورده كالثياب المنسوجة تتفاضل بمواقع الغزل وكيفية تأليفه وتنسيقه ، مع أن الغزل في حقيقته لا يتغير ، والكلام يتفاضل أثره ويتباين معناه بحسب قوة المتكلم ، وقدرته على اختيار مواقع الكلام من حيث التقديم والتأخير ، وهذا يحتاج إلى قدرة ذاتية تعطي صاحبها فصاحة وقوة بيان ، ولا يتم ذلك إلا بتأييد من اللّه وإلطاف ورعاية وتوفيق . وهذا المنهج يقودنا إلى إقرار فكرة الإعجاز القرآني ، من خلال توافق اللفظ والمعنى ، وتكاملهما في أداء الدور المطلوب فيهما ، فالتأليف هو الدور الأهم في فن الفصاحة ، بحيث تكون اللفظة دالة على المعنى المراد ، وتقع في الموقع المناسب لها ، ولهذا عندما يقع التحدي بالكلام فلا بد من أن يكون تأليف هذا الكلام في أعلى درجات الترتيب والتنسيق وحسن التركيب بحيث يكون الكل في موقعه المناسب ، من حيث اختيار الكلمة ، واختيار موقعها في الجملة ، لكي يؤدي هذا التركيب المحكم الغاية المطلوبة . ولهذا يتفاضل الفصيح من الكلام بتفاضل الكتّاب ، مع أن الألفاظ واحدة ، فالأقدر على التأليف هو الأفصح ، ولا نهاية للفصاحة ، ويقع الإعجاز فيما وقع التحدي به والعجز عن الإتيان بمثله .