محمد فاروق النبهان

240

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

والقاضي عبد الجبار يركز على أهمية الفصاحة في الإعجاز ولا يتصور الإعجاز إلا بالفصاحة ، والفصاحة عنده لا تتوقف عند حدود النظم ولا علاقة لها بالشكل والقالب ، من حيث كون الكلام شعرا أو نثرا مسجوعا ، فالنظم عامل في الفصاحة له أثره الواضح ولكنه ليس العامل الوحيد ، ولا بد في الفصاحة من تكامل حسن المعنى وجزالة اللفظ ، ومتى تحقق هذا الشرط في الكلام كان فصيحا ، سواء كان شعرا أو نثرا ، وكلما زادت معالم هذا التوافق في اللفظ والمعنى اتضحت الفصاحة وبرزت في الكلام . ولعل القاضي عبد الجبار في تركيزه على معنى الفصاحة واعتبارها نتاج عاملين أساسيين ، جزالة في اللفظ وحسن في المعنى ، إنما يرد فيه على أبي بكر الباقلاني ، الذي اعتبر الإعجاز متمثلا في مغايرة جنس الكلام لأساليب العرب وأجناس كلامهم ، ولهذا اتجه اهتمام الباقلاني إلى نفي التجانس بين القرآن وكلام العرب ، وشدد النكير على من قال بوجود السجع في القرآن ، لأن السجع من جنس كلام العرب ، والقرآن جاء مغايرا لأساليب العرب ، فلا يستقيم أن يوصف أسلوب القرآن بالسجع ولو جاءت أوزانه مماثلة لأوزان السجع في الأسلوب العربي . ويؤكد هذا الاختلاف بين كل من القاضي عبد الجبار وأبي بكر الباقلاني أن كلّا منهما ينظر للإعجاز من زاوية مغايرة لما ينظر منها الآخر ، فالقاضي عبد الجبار لا ينظر للإعجاز من زاوية الخروج عن مألوف كلام العرب ، ولهذا لم يحرص على نفي السجع في القرآن ، فالأمر لا يعنيه سواء سمي سجعا أو غير سجع ، وإنما يعنيه أولا إثبات الإعجاز عن طريق الفصاحة ، وطريقها واضح وهو جزالة اللفظ وحسن المعنى ، وهذا معيار لا نملك إلا أن نشيد بدقته ، لأنه معيار موضوعي ، يقيم أمر الإعجاز على معايير موضوعية لا تتصور الفصاحة إلا بها ، وليس أدل على الإعجاز من تلاقي « لفظ » بلغ الذروة في الجزالة والقوة و « معنى » بلغ القمة في جودة المعنى ودقته وسلامته ، وهنا تبرز تساؤلات حول أهمية المعايير البلاغية ويقف القاضي عبد الجبار أمام هذه المعايير وقفة موضوعية فلا