محمد فاروق النبهان
208
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
الصحة ، لأنه يشترط في الثبوت أن يصل إلى درجة الشهرة وتلقّي الأمة لهذه القراءة بالقبول ، وهذا دليل على التواتر والقطعية . . . والتشدد في المعايير المرتبطة بثبوت القرآن فضيلة لأنه يؤكد حجم العناية بكتاب اللّه ، ويؤكد في نفس الوقت أن العلماء تشددوا أقوى ما يكون التشدد في قبول القراءات لئلا يقع أي التباس أو شبهة في قطعية القراءات القرآنية . . . وهذا المنهج العلمي الذي نجد ملامحه واضحة في كتب القراءات لا يترك أي ثغرة في مجال إثبات قطعية القرآن ، من حيث القراءة والأداء ، وهو يتحدى كل المناهج العلمية من حيث الدقة ، ويزيل كل شبهة ، ولا يترك مجالا للشك أو التردد ، وعلم علمي كهذا لا يمكن إلا أن يقع الاعتراف بعظمته والثقة بنتائجه والاطمئنان إلى سلامته . ونقل الزركشي عن « مكي » قوله : « والسبب في اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان رضي اللّه عنه لما كتب المصاحف ، ووجهها إلى الأمصار ، وكان القراء في العصر الثاني والثالث كثيري العدد ، فأراد الناس أن يقتصروا في العصر الرابع على ما وافق المصحف ، فنظروا إلى إمام مشهور بالفقه والأمانة في النقل ، وحسن الدين وكمال العلم قد طال عمره واشتهر أمره ، وأجمع أهل مصر على عدالته ، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفة قراءته على مصحف ذلك المصر ، فكان أبو عمر من أهل البصرة ، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها ، والكسائي من العراق ، وابن كثير من أهل مكة ، وابن عامر من أهل الشام ، ونافع من أهل المدينة ، كلهم ممن اشتهرت إمامتهم وطال عمرهم في الإقراء وارتحل الناس إليهم من البلدان » « 1 » . وعلّل الهروي في كتابه الكافي التفريق بين القراءات بقوله : « ثم إن التمسك بقراءة سبعة فقط ليس له أثر ولا سنة ، وإنما السنة أن تؤخذ
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 1 ، ص 329 - 330 .