محمد فاروق النبهان

164

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

النتيجة فهي لاحقة ومتأخرة ، ولا شك أن الرسم القرآني بصورته العثمانية أدى إلى زيادة الاعتماد على الحفظ وشجع عليه ، لأن من الصعب على غير حفظة القرآن والمتقنين لتلاوته أن يقرءوه قراءة سليمة . قال ابن درستويه : خطان لا يقاس عليهما : خط المصحف ، وخط تقطيع العروض . وقال أبو البقاء في كتاب اللباب : « ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتابة الكلمة على لفظها إلا في خط المصحف ، فإنهم اتبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام ، والعمل على الأول » « 1 » . ومما لا شك فيه أن الرسم القرآني له خصوصية ذات صفة معنوية ، وهي غير محكومة بمعايير مادية ، ويمكن تلمس بعض آثارها في مجال القراءة المتعددة للألفاظ ، ومراعاة القراءات واللهجات العربية وسعة الدلالات في مجال الزيادة والنقصان ، إلا أن الهدف الأسمى والأعلى لا يمكن إدراكه بالمعايير ، وإنما يمكن إدراكه بالفطرة ، وبما يشعر به قارئ القرآن في المصحف العثماني من تميز الرسم القرآني ، وخصوصيته الشكلية والرمزية وتعبيره الأدق عن إعجاز بياني عظيم الوضوح في اللفظة العربية والرسم المعبر عن ذلك ، حتى أن قارئ القرآن يشعر بقدسية الرسم القرآني وهيبة ذلك الرسم ، ولا يشعر بمثل ذلك في غياب ذلك الرسم المميز والمعبر . إن الرسم القرآني أصبح جزءا من ذاتية القرآن ، وهو مظهر من مظاهر القدسية التي يشعر بها القارئ ، فكلمة « الرحمن » والصلاة ، والزكاة ، وحم ، وألم ، وطه ، ويس . . . » كل ذلك يعبر عن قدسية ويجسد مشاعر دينية ويغذي في النفس شعورا بالأمن والراحة ، ولو كتبت هذه الكلمات وفق القاعدة الإملائية لفقدت الكثير من دلالاتها ، ولهذا لا نملك إلا أن نعترف بخصوصية لا محدودة للرسم العثماني ، مما يؤكد التوقيف في بعض معالم ذلك الرسم ، إذا لم يكن توقيفيا كليا

--> ( 1 ) انظر البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 376 .