محمد فاروق النبهان

159

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

وتبرز خطورة رأي ابن خلدون فيما طرحه في جرأته على كتاب الوحي ، وجمّاع القرآن من حيث عدم إجادتهم قواعد الإملاء ، وعدم تمكنهم من الكتابة الصحيحة ، وتأكيده على وجود أغلاط إملائية في الرسم القرآني ، وهذا اتجاه خطير ، ولا يمكن التسليم به ، لأنه يتعلق بكتاب اللّه أولا ، ولأنه لا يحترم خصوصية الرسم القرآني ثانيا « 1 » . ويختلف رأي ابن خلدون عن رأي الباقلاني من حيث تفسير ظاهرة الرسم القرآني ، فالباقلاني اكتفى بالقول بعدم التوقيف في مجال الرسم ، لعدم قيام الدليل على ذلك ، ولكن ابن خلدون اعتبر الرسم القرآني ناتجا عن جهل العرب بقواعد الإملاء بسبب انتشار البداوة التي تضعف الاهتمام بصناعة الكتابة ، وهذا قول كبير وادعاء خطير . وليس هناك أي دليل عليه ، ولم يفرق ابن خلدون بين جودة الخط وأناقة الرسم وبين صحة الإملاء ومعرفة قواعد اللغة ، وإذا صح أن جودة الخطوط تتعلق بالحضارة والعمران ، فإن صحة الإملاء لا علاقة لها بالعمران ، وربما أفسدت الحضارة الكثير من قواعد اللغة والإملاء ، لأن الحضارة توجه الاهتمام إلى مظاهر الترف ، وتبعد الفرد عن أصالته وتضعف لديه القدرة على التركيز . ولا خلاف في أن الخط ليس بكمال في حق الصحابة وكتاب الوحي ، ولا يتفاضل الصحابة بجودة الخطوط وحسن الرسوم ، فذلك فن يحتاج إلى إعداد وتكوين وتعليم ، إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يكون حجة على ما يقوله ابن خلدون من وقوع أخطاء إملائية في الرسم القرآني ، وذلك دليل قصور ، وهذا أمر مرفوض بالنسبة لجماع القرآن « 2 » . ولو توقف ابن خلدون عند حدود القول بأن الرسم القرآني أمر اجتهادي ، ولا مجال للتوقيف فيه لكان الأمر مقبولا ، وبخاصة وأن بعض العلماء ذهبوا إلى ذلك ، واعتبروا أن القضايا التوقيفية تحتاج إلى دليل ، وردّ الفريق الذي قال

--> ( 1 ) انظر كتابنا الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ص 405 ( تحت الطبع ) . ( 2 ) انظر كتابنا الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ص 406 .