محمد فاروق النبهان
160
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
بالتوقيف على من قال بالاجتهاد أن الدليل موجود ، ويتمثل الدليل في إقرار الرسول صلى اللّه عليه وسلم للرسم القرآني ، كما كتبه كتاب الوحي ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يوجههم في بعض الأحيان ويعلمهم كيف ترسم بعض الكلمات . وفضلا عن هذا ، فقد انعقد الإجماع على الإشادة بالرسم القرآني ، ومحاولة استكشاف جوانب الخصوصية في هذا الرسم ، ولم يقل أحد بما انفرد به ابن خلدون من القول بأن الرسم القرآني مخالف لقواعد الإملاء بسبب جهل الصحابة بتلك القواعد . وقد أوردت في كتابي « الفكر الخلدوني من خلال المقدمة » رأي ابن خلدون في رسم القرآن ، وناقشت هذا الرأي وبينت بطلان ما ذهب إليه ابن خلدون وخطورته ثم قلت : « ويجب أن تستبعد كليا فكرة الخطأ في الكتابة ، لأن الخطأ يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة ، ولا تستقيم مع حفظ اللّه تعالى لكتابه ، إذ من المؤكد أن الرسم العثماني هو رسم لا يتطرق الخطأ إليه من حيث الكتابة ، ولا يجوز القول بذلك ، ولو صح وقوع الخطأ لأدى ذلك إلى ملاحظة الصحابة لذلك الخطأ أو اللحن ، ولأشاروا إليه وأنكروه ، وأصلحوا في المصاحف العثمانية ، إذ لا مبرر لإبقاء اللحن والخطأ ، وهم أكثر الناس حرصا على كتاب اللّه تعالى « 1 » . الرأي الثالث : موقف التوسط : يستفاد من كلام بعض العلماء أنه ليس من الضروري كتابة القرآن على الرسوم الأولى لكتابته ، وإن ذلك لا يكون على إطلاقه ، لئلا يؤدي إلى دروس العلم . ولما نقل الزركشي في البرهان ما قاله الإمام أحمد في تحريم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك عقّب على ذلك بقوله : « قلت : وكان هذا في الصدر الأول ، والعلم حي غض ، وأما الآن فلا يخشى الإلباس ، ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : لا تجوز كتابة المصحف
--> ( 1 ) انظر كتابنا الفكر الخلدوني من خلال المقدمة ص 413 .