محمد فاروق النبهان

150

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

- والثاني : أن النسخ غالبا ما يكون لتخفيف ، فبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة « 1 » . النوع الثالث : ما نسخ تلاوته دون حكمه : أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبيّ بن كعب قال : كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور ، فكان فيها : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ، وقال عمر : « لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب اللّه لكتبتها بيدي » رواه البخاري في صحيحه معلقا ، ولو كانت التلاوة باقية ولم تنسخ لبادر عمر إلى كتابتها في المصحف ، ولم يعرج على مقال الناس « 2 » . وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري : إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ، غير أني أحفظ منها « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » « 3 » . وهنا طرح الزركشي في البرهان سؤالا وهو أن يقال : « ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم ، وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها ، ونقل جواب ابن الجوزي صاحب كتاب فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن على هذا التساؤل بقوله : إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به ، فيسرعون بأيسر شيء ، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام ، والمنام أدنى طرق الوحي » « 4 » . ومما لا شك فيه أن النسخ وقع في القرآن الكريم ، والأدلة النقلية تؤكد وقوع النسخ ، والنسخ دليل صحة ، وهو ظاهرة عظيمة الدلالة على عظمة منهج الإسلام في التشريع ، إلا أنه يجب أن تحدد مواطن النسخ في القرآن ، فيما لا يمكن إيجاد

--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 3 ، ص 69 ، ( 2 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 36 . ( 3 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 37 . ( 4 ) المصدر نفسه .