محمد فاروق النبهان
141
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
الإمام أبو بكر النيسابوري ، وكان غزير العلم في الشريعة والأدب ، وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه : لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه ؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة ، وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة « 1 » . وقد ألف عدد من العلماء في علم المناسبة ، منهم أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان في كتابه البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن ، وبرهان الدين البقاعي في كتابه : « نظم الدرر في تناسب الآي والسور » والسيوطي في كتابه : « تناسق الدرر في تناسب السور » . المناسبة مظهر من مظاهر الإعجاز : والمناسبة تؤكد التوقيف بالنسبة لترتيب الآيات والسور ، وهي مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني الذي يؤكد الترابط بين الآيات والحكمة في تسلسل المعاني ، وإلحاق فكرة بأخرى ، وربط حكم بآخر ، مما يؤكد وجود نسق قرآني مترابط متلاحم يسعى بعضه في تأكيد البعض الآخر وتوضيحه ، للوصول إلى معنى مقصود وحكمة مبتغاة ، وغاية مرجوة . . . والمناسبة تؤكد الترابط والتكامل في الآيات والسور ، ولا يمكن تصور انفكاك الآيات عن بعضها ، لأن ذلك يخل بالنسق القرآني المعجز ، وعجز البشر عن إدراك وجه المناسبة لا يعني انعدام الترابط ، ولهذا تتفاوت قدرات المفسرين في تلمس المناسبة المؤدية إلى غاية ، ويحتاج علم المناسبة إلى إشراقة روحية تعين المفسر على تلمس عظمة الترتيب القرآني ، ومهما بلغ العقل في درجة إدراكه ، فإنه يعجز أحيانا عن إدراك أوجه للتقارب والتجانس تحتاج إلى صفاء نفسي وروحي ، يوقظ قدرات القلب على الفهم والإدراك . وعلم المناسبة علم ذاتي لا يخضع لمعايير مادية ، فما كان واضح التقارب والتماثل كما هو الشأن في النظائر والأضداد واقتران المسببات بالأسباب
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 1 ، ص 36 ، والإتقان ، ج 3 ، ص 522 .