محمد فاروق النبهان
137
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
كان عليه الأمر في عهده صلى اللّه عليه وسلم من حيث وضوح الترتيب بالنسبة لمعظم القرآن ، وربما وقع الاجتهاد في بعض السور التي لم يتضح فيها الترتيب ، وكان لا بد من الاجتهاد في الأمر ، والاجتهاد ليس في الترتيب ، وإنما في ترجيح ما كان عليه الأمر في عهد النبوة ، ولهذا اختلف ترتيب مصحف عثمان عن ترتيب مصحف ابن مسعود ، الذي جعل سورة النساء مقدمة على سورة آل عمران ، ويبدو أن اللجنة الرباعية التي أعدت مصحف عثمان رجحت تقديم سورة آل عمران على النساء ، ورأت أن ذلك الترتيب هو الأرجح في ثبوته عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومما يؤكد التوقيف في كل ما يتعلق بالقرآن أن الصحابة التزموا بما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعدم الاجتهاد في أي أمر يتعلق بالقرآن ، والتوقف عند حدود النقل الثابت ، ويؤكد هذه الحقيقة أن الصحابة لم يضيفوا البسملة إلى أول سورة « براءة » ولم يكن يحق لهم ذلك ، ولم يجتهدوا في الأمر ، حتى إن بعضهم ظن أن سورة براءة هي جزء من سورة الأنفال السابقة لها ، لولا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمرهم بالتفريق بين السورتين ، ولم يضف إليها البسملة ، واختلفوا في تفسير سقوط البسملة في « سورة براءة » وقال بعضهم : السبب في ذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا نقض عهد لم يكتبوا البسملة في كتاب النقض ، ونزلت براءة بنقض العهد الذي كان للكفار ، ولما قرئت خلت من البسملة ، إيذانا لهم بما اعتادوه في مثل هذه المواقف . عدد سور القرآن : أجمع العلماء على أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة ، وقيل : مائة وثلاث عشرة سورة عند من جعل الأنفال وبراءة سورة واحدة . وطلب الحجاج بن يوسف من قراء البصرة أن يحصوا له كلمات القرآن وحروفه ، فمكثوا أربعة أشهر يعدون الكلمات والحروف بالشعير ، وأجمعوا على أن كلمات القرآن سبع وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة ، وحروف القرآن ثلاث مائة وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا « 1 » .
--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 1 ، ص 184 .