محمد فاروق النبهان

119

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

وقطع دابر أي خلاف في آياته ، من حيث القراءة والرسم ، ومن اليسير علينا نحن اليوم أن نكتشف عظمة هذا الإنجاز وعظيم أثره ، ولو بقيت المصاحف الفردية قائمة بيد أصحابها لكان من اليسير أن يتعصب كل صاحب مصحف لما كتبه وجمعه ، ولاعتبر مصحفه هو الأصح والأدق ، ومن الصعب بعد ذلك ضبط الأمور وإعادة اللحمة إلى ما تفرق من الآراء ، وبخاصة في ظل عصر بدأت معالم الفتنة تطل عليه من بعيد ، منذرة متوعدة ، ومن حسن الحظ أن خطوة توحيد المصحف قد اكتملت قبل أن تتفجر الأحداث ، وأصبح في كل إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية مصحفا معتمدا ، هو الأساس لكل المصاحف ، يوحد الكلمة ، ويوحي بالثقة ، ويجعل القرآن فوق كل الشبهات ، مطوقا بحفظ اللّه ورعايته . ولو صح أن خلافا حقيقيا وقع في مصحف عثمان ، أو نزاعا بين الصحابة نشب بسبب إحراق المصاحف لما خفي هذا الخلاف والنزاع ، ولارتفعت أصوات المعارضين عالية محتجة رافضة منددة بما فعل « عثمان » ، وبخاصة في أواخر عهده ، حيث أخذت أصوات الاحتجاج تتعالى مدينة بعض جوانب سياسته وإدارته . وحاول بعض خصوم القرآن إثارة شكوك حول قطعية ثبوت النص القرآني ، واعتمدوا في ذلك على روايات شاذة وحكايات موضوعة تؤكد ظنونهم ، وتدعم ما أخذوا أنفسهم به من هدم هذا الصرح الكبير الذي أجمع المسلمون على صحته ، وتكاتفوا في سبيل حفظه ، ولا تخلو أية رواية من الروايات الشاذة من نقد واضح الدلالة على ضعفها وتهفتها ، أو سوء تفسيرها ، سواء تعلقت بشبهات حول سقوط شيء من القرآن بسبب نسيان ، أو إضافة إليه . ولا نهاية لمثل هذا المنهج الذي يعتمد التشكيك في القرآن ، ولا سبيل لإيقاف النفوس المريضة التي أخذت تتتبع ما سقط من الأقوال ، وما نبذ من الروايات ، إلا بتجاهل هذا المنهج ورفضه ، وعدم الخوض فيه ، فما أجمعت عليه الأمة ، لا يمكن أن يكون في موطن الظن ، وأن يخضع لمعايير نقدية أخذ بها من ران على قلبه مرض ، أفقده الإحساس بحرارة الإيمان ، وبإشراقة القرآن في النفس ، فما تعهد اللّه بحفظه لا سبيل لبشر عليه ، وكلام اللّه أسمى من أن يختلط بكلام البشر .