محمد فاروق النبهان

113

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

العامل الرابع : تأكيد ما هو محفوظ في صدور الصحابة لما هو موضوع في الرقاع والعسب وقطع الأديم . ولما اكتمل الجهد ، وتكامل الجمع ، قال أبو بكر : سموه أو التمسوا له اسما ، روى ابن شهاب قال : لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال بعضهم : السفر ، وقال بعضهم : المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف ، وكان أبو بكر أول من جمع كتاب اللّه وسماه المصحف « 1 » . واستقبل هذا المصحف الذي تم جمعه في عهد أبي بكر من الصحابة ، بالتقدير والتنويه ، اعترافا بعظمة هذا العمل ، وتأكيدا على سلامة منهج الجمع الذي نال ثقة الصحابة ، وحظي بموافقتهم ، وأجمعوا على قبوله والإشادة به . المرحلة الثالثة : الجمع في عهد عثمان : في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان اتسعت رقعة الدولة الإسلامية ، وامتد سلطانها ، وتباعدت أرجاؤها ، واختلطت شعوبها ، وتداخلت لغاتها ، وتناثر ذلك الجمع المبارك من صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حفاظ القرآن في تلك البقاع البعيدة ، وأخذ كل إقليم يلتف حول رمز من رموز الإسلام من صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعلم منهم القرآن ، ويسمع منهم ما حفظوه من السنة ، وما اختزنوه في ذاكرتهم من أيام الإسلام الأولى في عصر النبوة . وكان من الطبيعي أن تتعدد القراءات وتتباعد اللهجات ، ويقع الاختلاف في ترتيب الآيات والسور وبخاصة في ظل مصاحف مكتوبة ، احتفظ بها أصحابها ، لا تختلف من حيث الآيات عن مصحف أبي بكر ، لأن ذلك مما وقع الإجماع عليه . ولم يكن من اليسير مراقبة تلك المصاحف الفردية ، وتتبع ترتيبها ، وضبط تلاوتها ورسمها ، لتباعد الأمصار الإسلامية عن المدينة ، وخشي بعض الصحابة أن تتسع دائرة الخلاف ، ويقع الاختلاف في القرآن ، وطلبوا من الخليفة وهو

--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 1 ، ص 147 .