محمد فاروق النبهان
114
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
المؤتمن على القرآن أن يتدارك الأمر قبل أن يستفحل ، وأن يوحد المصحف ، وأن يضع في كل بلد مصحفا معتمدا يرجع إليه عند الاختلاف ، واستجاب عثمان لذلك الطلب ، وحققت خطوته الموفقة أهدافها في توحيد المصحف ، وكان هذا من توفيق اللّه وحفظه لكتابه . روى البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن ارسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق » « 1 » . قال زيد : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف ، قد كنت أسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فألحقناها في سورتها في المصحف . قال ابن حجر : وكان ذلك سنة خمس وعشرين . وأخرج ابن أشتة عن أبي قلابة أن أنس بن مالك قال : « اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمصلحون ، فبلغ ذلك عثمان بن عفان ، فقال : عندي تكذبون به وتلحنون فيه ، فمن نأى عني كان
--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 1 ، ص 169 ، والبرهان ، ج 1 ، ص 236 .