محمد فاروق النبهان

103

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

وتعدد الأقوال في هذا الأمر لا يمكن فهمه إلا في إطار وصف المرحلة الأولى التي وأكبت نزول القرآن ، ولا مجال للقول بتناقض الأقوال أو تباينها ، وكل راو كان ينقل ما سمعه عن وصف لبعض المراحل ، مما يوثق الروايات التي تؤكد الآيات والسور الأولى التي نزلت من القرآن ، ويؤكد صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم في تلقيه الوحي ، وعفويته في وصف حالته الأولى عندما بدأ الوحي يتنزل عليه بالآيات الأولى من القرآن . والروايات تنقل الواقع وتعبر عنه ، وكلها صحيحة ، وليس فيها تعارض أو تناقض ، وهذا التعارض الظاهري يؤكد صدق الظاهرة القرآنية . معرفة آخر ما نزل من القرآن : اختلف العلماء في آخر ما نزل من القرآن ، كما اختلفوا في أول ما نزل منه ، واختلافهم في أول ما نزل أيسر وأوضح ، لإمكان معرفة ذلك ، ولأن النصوص ذاتها توضح بطريقة جلية الخطاب القرآني الأول ، وجاءت الأحاديث واضحة في وصف تلك المرحلة . بخلاف الأمر في آخر ما نزل ، فلا سبيل إلى معرفة ذلك عن طريق السنة ، والطريق الوحيد هو ما رواه الصحابة من سماعهم ، وربما وقع الاختلاف في آخر ما نزل ، لأن بعض الصحابة سمع ما لم يسمعه الآخرون ، ووقع الاختلاف في آخر آية ، مع اتفاقهم على أن الأمر ينحصر في بعض آيات نزلت في المرحلة الأخيرة التي أعقبت حجة الوداع . وأرجح الروايات الواردة في ذلك ما أخرجه ابن حاتم عن سعيد بن جبير قال : آخر ما نزل من القرآن كله : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 282 ] ، وعاش النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ، وأخرج ابن جرير مثل هذه الرواية عن ابن جريج . . وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال : آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين ، وقال السيوطي في الإتقان : ولا منافاة عندي بين هذه الروايات لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنها قصة