محمد حسين علي الصغير

53

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

وقد شارك هذا في تيسير قراءة القرآن وضبطها على الوجه الأصح والأفصح ، وساعد في الكشف عن طاقاته وتأثيرها في النفس الانسانية ، فكان شأن النحاة كشأن المعجميين واللغويين من الواعين بهذا إلى تفسير القرآن في حدود اللغة ، وقد سبق كل من النحاة وأهل اللغة في وضع البرامج المحكمة لتفسير القرآن ، فكتب الفرّاء وأبو عبيدة وأبو جعفر الرؤاسي وابن قتيبة ، وأبو إسحاق الزجاج ، وأبو جعفر النحاس وأضرابهم أوائل التفاسير اللغوية كما سنشير إلى هذا فيما بعد « 1 » . فكونوا الحركة الأولى للتفسير بهذا المنهج بعد التفسير بالمأثور ، ونشأ عن ذلك المنهج التحليلي في تفسير نصوص القرآن بمنأى عن التأثير الاعتقادي الذي لا يوحي به ظاهر اللغة أو دلالة الألفاظ . وقد كان هذا الاتجاه جديرا باتساع دائرة التفسير ، والخروج به عن ضروب المأثور فحسب ، لهذا نجد في التأكيد على اللغة وما سايرها من حركات في التطوير مجالا مقبولا لفهم النص القرآني ، ومنهجا في الكشف عن قدراته ، وتلقي المعنى موافقا للوجدان الانساني بحيث يقتنع بمضامينه ، ويميل إلى الأخذ به في الدلالة على الوجه المراد من القرآن . وهنا يتجلى دور البلاغة العربية في الاستعانة على فهم ذلك لمعرفة الفصيح من الأفصح ، وما يقتضيه الاعجاز من أساليب في وضح الدلالة وجلائها ، وموافقة اللفظ للمعنى ، والمعنى للنفس ، والوقوف على دقة النظم وحسن تأليفه ، وعجيب التركيب وجودة الصياغة ، ومزج ذلك بالحس النقدي الذي يلائم بين المفردات والجمل ، والجمل والعبارات ، والعبارات والآيات ، والآيات والسور ، فيتكون من مجموع ذلك الإدراك الفني لطبيعة المعنى المراد من النص القرآني ، أما فروع علمي اللغة والبلاغة وما يتداخل بموازينهما ، فمرده إلى كتب هذين العلمين ، وما يتعلق بهما من تفريعات وتقسيمات . وإذا أتقن العازم على تفسير كتاب اللّه هذه المقدمات والأصول ، وتمرس هذه الفنون والعلوم ، تحتم عليه المعرفة الرصينة بعلوم القرآن في المستويات التي أثارها القرآن ، وهي مجموعة العلوم التي يتم بتحصيلها ، والوقوف عندها ، والتأمل بمضامينها الوصول إلى التفسير في دلالته ، والتأكيد على

--> ( 1 ) ظ : تفصيل ذلك في المنهج اللغوي من هذا البحث .