محمد حسين علي الصغير

38

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

النفس ، فإذا تحقق هذا التوجه الخالص تحققت الآداب الموضوعية للتفسير ، وبرزت الحقائق العلمية مجردة عن التعصب ، وبعيدة عن الاتجاه الأناني الفردي ، وبذلك يكون أداء الأمانة والنهوض بثقلها ، وحينئذ يفتح اللّه على عبده مغاليق الأمور ، ويستنزل شآبيب المعرفة ، ويحيط الباحث بما لم يحط به غيره خبرا . إن الموضوعية في تفسير القرآن شرط أساسي وليس شرطا احترازيا ، فهو أساسي لتلقي معاني القرآن كما أرادها اللّه تعالى ، وهو احترازي من النزوع إلى الهوى ، والاغراق في الخيال ، والتعرض لشطحات الميول ، فالمتلقي يريد معرفة هذا النص على حقيقته والغوص إلى أعماقه ، والمفسر الحق هو الباحث الذي يحقق هذه الرغبة الملحّة ، وينهض بهذه المهمة الصعبة ، متطلعا إلى الأسرار القرآنية ناصعة أنيقة ، ليحوز رضا اللّه تعالى ، ويظفر بإقبال الناس ، ويبلغ هدفه الأسنى . أما التعدي على جمال القرآن ووحدته الفنية ، بالايغال في النزاعات التقليدية ، والأصحار بمتاهات الخصومات اللا محدودة ، فأمر ترفضه عقلية المثقف العصري ، وتلفظه روحية البحث الموضوعي ، وحسبك في كتب الكلام ومصنفات الاحتجاج وصنوف المقالات غنية عن ذلك ، وكفاية لا فريد عليها . وقد يبدو هذا الملحظ - أول الأمر - تعجيزيا وليس الأمر كذلك ، فإن قيل ما السبيل في تفسير الآيات التي يستفيد منها أهل المذاهب أدلتهم وأصول عقائدهم فيجاب : إن سرد ذلك مجردا عن نزعة التعصب لا يعتبر من هذا الباب ، وعرض جميع ذلك باعتباره منبعا ثرا من منابع التشريع الإسلامي ، لا يعني جرّ القرآن إلى ما ليس منه ، بل هو أمر يدعو إلى الاعتزاز كونه ثروة علمية تضاف إلى التراث ، ولكن الأمر يختلف جذريا إذا سردت الصفحات وسودت الأوراق على أن المراد هذا دون ذاك تنكيلا بمذهب ، أو اعتدادا برأي دون برهان ، فهذا ما لا يسمح به أدبيا وموضوعيا في تفسير القرآن العظيم ، لأن هذا الملحظ كشف عن مراد نفسه ، وتفسير القرآن كشف عن مراد اللّه تعالى ، وهذا لا يمانع أن يختار رأيا يمثل وجهة نظره بعد التمحيص وإعمال الفكر والاجتهاد ، يؤكد فيه ما يستفيده بالذات