محمد حسين علي الصغير

39

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

دون قطع على اللّه أن هذا هو المراد دون غيره من كلام اللّه ، وإذا تحرج المفسر في هذا الإطار ، والتحرج هنا ضرورة قائمة كان ما يتوصل إليه من التفسير دليلا على الكشف والعرض والبيان ، وليس مجالا للهوى والمذهبية ، وبذلك فلا يعدّ متعديا لحدود التفسير الموضوعي ، وإنما يعتبر عارضا لبعض الوجوه المحتملة دون قطع بأحدها ، إذ قد يكون المراد الحقيقي غيرها ، إلا أنه قد اجتهد ضمن الضوابط والموازين العقلية أو الفنية أو اللغوية باختيار الأفضل ، أو بإثبات الأظهر . وقد تكون هذه المهمة عسيرة لا تتهيأ ، وأداؤها صعبا لا يركب ، وقد يكون الأمر كذلك ، ولكن نظرة فاحصية إلى ما أصاب المسلمين من الخور والانهيار تدعو إلى ضرورة تعبيد هذا المنهج ، وتخفف من وطأة مشاقّة ومتاعبه ، فقد شجعت لغة الاختلاف المتعمد والهوى المتبع ألسنة المستشرقين وأعداء الاسلام للنيل من كرامة الاسلام وعظمة القرآن ، وكان الطريق أمامهم سهلا وميسرا ، إذ استغلوا هذا الخلاف لنفث سمومهم ، ونشر دعاواهم الباطلة ضد الاسلام والمسلمين من جهة ، وضد القرآن الكريم من جهة ثانية حتى تجرأ بعضهم فذهب إلى القول بتحريف القرآن نتيجة نقطة الضعف هذه في عدم الموضوعية الفكرية للتفسير ، وعلى هذا فالالتزام بالموضوعية تنفي هذه الشبه من جهة ، وتجعل المفسر خالص العمل لوجهه تعالى من جهة أخرى ، وتخلص تفسير القرآن من التبعية من جهة ثالثة ، وعند ذاك يجزم المتلقي للتفسير بسلامة قصد المفسر ونبل غايته ، فيستقبل ذلك استقبالا تلقائيا يحبب إلى ذائقته القرآن ، ويعينه على الاستجابة الهادفة لأغراضه ومراميه . إن لغة التهجم والاتهام التي نلمسها في كثير من أقوال المفسرين مع القطع بأنها لا تجدي نفعا ، ولا تغير معتقدا ، ولا تثني إنسانا عن رأي يتبناه : فإنها لا تمثل القرآن ، وأخلاق القرآن ، ولغة القرآن ، بل القرآن نفسه يشن حربا شعواء على هذا النوع من الاسفاف واللامبالاة بشعور الآخرين مخطئين كانوا أو مصيبين ، فضلا عن كونه يدفع بالشباب إلى الهروب من حضيرة الدين ، والتنكر لمبادئ القرآن ، فتحتضنه البدع ، وتتلاقفه الضلالات .