محمد حسين علي الصغير
255
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
وجدوا الباء حرفا واحدا وعملها الجر ألزموها حركة عملها » « 1 » . وهذا قائم على أساس الذائقة الفطرية للأصوات عند العرب . إشارات بلاغية : في هذه السورة عدة منعطفات بيانية ، وجملة إشارات بلاغية ، تتسم بالدقة التعبيرية حينا ، والشمولية الاسلوبية حينا آخر ، وهي بين هذه وتلك تستوعب البعد البلاغي في مظاهر متفاوتة : 1 - هاتان الصيغتان الرَّحِيمِ يصفان اللّه تعالى بالرحمة والرأفة ، قال الراغب ( ت : 502 ه ) « والرحمة رقة تقتضي الاحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الاحسان المجرد عن الرقة . . . وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الاحسان المجرد دون الرقة » « 2 » . والدلالة اللغوية لهذين اللفظين توحي بهذا المعنى الذي أشار إليه الراغب ، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد لنا من حمل الرحمة إما على سبيل المجاز ، وإما على الاستعارة على سبيل التمثيل ، ذلك أن الباري عز وجل لا يوصف بالرقة والانعطاف لأنهما من صفات البشر وأعراضه النفسية تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، والرحمة بالنسبة لذاته المقدسة من الصفات الفعلية التي يحدثها بأمره كالرزق والايجاد والاحياء والإماتة ، فهي حينما تطلق فإنما تطلق بالنسبة إليه بعيدة عن حقيقتها اللغوية في الوضع الأصلي ، وإذا كان الأمر هكذا فهي مجاز بهذا الاعتبار : أي أن رحمات اللّه على عباده تتوالى ، وأنعامه تتواكب ، إذن قد تكون الرحمة مجازا يعبر بها عن إرادة الانعام وإيجاده وإحداثه كل آن من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب ، وقد يكون مجازا عن الأنعام التام المستفيض من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب ، وقد يكون ذلك على سبيل الاستعارة التمثيلية بعلاقة المشابهة ، وذلك بتمثيل رحمته برحمة الرئيس على مرءوسيه ، أو
--> ( 1 ) المصدر نفسه : 16 . ( 2 ) الراغب ، المفردات في غريب القرآن : 191 .