محمد حسين علي الصغير

256

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الملك على رعيته ، في حالة الرضا والاغتباط ، فيشملهم بإنعامه ورقته ، والحال هنا كذلك فيحمل عليه . 2 - وفي تقديم الرحمن على الرحيم نكتة بلاغية أشار إليها الشيخ الطوسي ( ت : 460 ه ) بما ذكره عن أبي الليث : « وإنما قدم الرحمن على الرحيم لأن وصفه بالرحمن بمنزلة الاسم العلم ، من حيث لا يوصف به إلا اللّه تعالى فصار بذلك كاسم العلم في أنه يجب تقديمه على صفته » « 1 » . ومراد الطوسي أن الرحمن مختص باللّه تعالى دون سائر كائناته ، وأن الرحيم مشترك بينه وبين البشر ، فقدم ما له دلالة عامة على ما له دلالة خاصة . وقد تعقب الزمخشري ( ت : 538 ه ) ذلك فقال : « فإن قلت : فلم قدم هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه ؟ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم : فلان عالم نحرير ، وشجاع باسل ، وجواد فياض ، قلت : لما قال : الرحمن فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها أردفه الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف » « 2 » . ومسألة الأدنى والأرقى بالنسبة لصفات العباد جارية مطردة ، أما بالنسبة للذات المقدسة فإيراد هذه الاعتبارات باطل ، لذا فإننا نميل إلى ما أورده الطوسي عن أبي الليث ، ولا يخلو مذهب الزمخشري من وجه ، وقد تكفل برده الشريف الجرجاني في حاشية الكشاف « 3 » . 3 - وفي إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) يبدأ الالتفات من الغيبة إلى الخطاب . وهو من الموارد البلاغية التي سار عليها العرب في سنن كلامهم ، فإن هذه السورة المباركة ، قد جمعت فنون الالتفات البلاغي ، فأوائلها بدأ بالغيبة للدلالة عليه تعالى ، ثم انتقل إلى الحضور ، فقال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثم التفت إلى المتكلم فقال : اهْدِنَا ثم ثنى على الغائبين فقال : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ . وفي تقديم إياك على نعبد ونستعين ،

--> ( 1 ) الطوسي ، التبيان : 1 / 29 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 45 . ( 3 ) ظ : الشريف الجرجاني ، حاشية الكشاف ، الكشاف : 1 / 45 .