محمد حسين علي الصغير

238

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

فبعد أن افتتحت السورة بتقديس اللّه وتعظيمه ، ووصفه بأنبل صفاته وكل صفاته نبيلة ، وثنّت بتملكه نواصي العالمين جملة وتفصيلا في الدنيا والآخرة ، وقصرت العبادة له والاستعانة به ، اختتمت باسترحام هدايته إلى النهج الصحيح المستقيم ، وهذا مما يلائم المناخ الفنّي للسورة ، ويحقق الهدف الدنيا فيها ، ومن دلائل الاعجاز القرآني أن يلتقي الغرض الفني بالغرض التشريعي في سياق واحد متجانس ، وهو ما حدث بالفعل ، قال تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) . وهنا تنفرج عن الآية في دلالتها وأشعتها عدة طرق متباينة الاتجاه . أ - الطريق الآلهي الذي لا انحراف فيه ، ولا ضلال معه ، وملاكه الايمان ، والعمل الصالح ، والتبصّر بما شرّع الدين ، والقصد والاعتدال في كل شيء ، وذلك طريق الذي أنعم اللّه عليه من المؤمنين والشهداء والصالحين والصدّيقين وحسن أولئك رفيقا في الدنيا والآخرة . ب - الطريق المنحرف الذي أوغل فيه من عرف الحق وجحده ، وعند بالايمان وأنكره ، وهو سبيل من باء بغضب من اللّه وخسران ، لأنه شرح بالكفر صدرا ، وأضرب عن الحق صفحا ، فهو ممن استحق سخط اللّه وغضبه . ج - الطريق الضال الذي تردّى فيه من تنكّب سنن الصواب ، وحاد عن نهج السداد تقصيرا لا قصورا ، وإن قصر عن المراد به فهو إلى التقصير أقرب ، لأن دعاة الحق لا يخلو منهم زمان ولامكان ، فهو - إذن - بسبيل من الضلال دون الالتجاء إلى ركن وثيق . و الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ هو الأول ، دين اللّه الحنيف بأصوله ، توحيدا ، وشهادة وعدلا ، وولاية ، ومعادا في يوم القيامة ، وبفروعه أداء للواجبات ، وتوقفا عند الشبهات ، وامتناعا عن المحرمات . هذا هو الطريق الحق دون تخصيص ، وإن ورد تخصيص في الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فهو من باب الانطباق عليه ، أو هو من قبيل تطبيق المفاهيم على المصاديق ، وهذا جار في القرآن ، ومنه ما أورد الطوسي :