محمد حسين علي الصغير

237

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

ومنّه في التصرف ، فإذا توفانا اللّه عاد إرثا لسوانا ، فهو ملك باعتبار وضعي لتصريف الأمر ، لا بالمعنى الحقيقي بعد فناء الأشياء ، أو موت الاحياء ، وتلاشي الملكيّات . 4 - وتنطلق مؤشرات التوحيد الخالص باختصاص اللّه وحده بالعبادة والاستعانة ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) وذلك بقصر العبادة له ، وحصر الاستعانة به ، والعبادة وإن كانت تمثل أقصى غاية في الخضوع والتذلل والاستكانة ، وتعني ذرة الطاعة والإنابة والانقياد ، إلّا أنها هنا تمثل أسمى مظاهر التحرر والانعتاق ، وتعنى أنبل سبل الحرية الانسانية في فهم مزدوج ، فبعد أن كان الانسان مكبّلا بقيود العبودية التائهة بين الأصنام والاشخاص والخرافات والأساطير ، وإذا به يتّجه بكل حرية وانطلاق إلى القوة المهيمنة الخلاقة وهي اللّه ، وإذا وازنا بنظرة فاحصة بين الأمرين ، وجدنا عبادتنا للّه وعبوديتنا له ، تشكّل سيماء التحرر الأبدي ، فهي عبادة تناسب الفطرة ، وعبودية تنطلق فيها الحرية والإرادة ، لا سبيل معهما إلى الضلال والانحراف ، ولا سبيل إلى الرّق والاذلال ، وقد كان الانسان بكل حضاراته بدائيا تستعبده الأوهام والقيم الباطلة ، ومملوكا لتخيلات من نسج تفكيره المتأرجح ، وإذا به بفضل أوبته للّه وعودته إليه ، حرّ الضمير والفكر ، ينقاد إلى كبرى الحقائق الناصعة : عبادة اللّه وحده . وفي قصر الاستعانة باللّه - وهي طلب العون وتوخيه اختيارا - من قبل الانسان ، إيحاء بطلب استمرارية بقائه قادرا مستطيعا مستعينا به على طاعته واحتياجاته مستقبليا ، وذلك بتجديد القدرة له وشدّ العزم والأسر لديه مدى حياته المتقلبة في أدوارها وأطوارها . على أن هذه الاستعانة لا تعني التخلّي عن الأسباب ، فاللّه هو مسبّب الأسباب ، ولا تلغي دور التسخير البشري في فصائله المتعاونة ، ولكنها تؤكد ربط الأسباب به ، وتناهي العلل إليه تعالى ، وهذا شيء لا اصطدام بينه وبين تعاون الناس فيما بينهم على البر والتقوى والايثار ، بل هذا من ذاك لأنه بتوفيق من اللّه ، وبدفع تلاحمي بهدايته تعالى . 5 - وتتواكب في خواتيم السورة المباركة متطلبات الهداية ورجاء الدلالة في الوصول إلى أسلم الطرق وأقومها ، فعلا واستمرارا .