محمد حسين علي الصغير

230

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

إن الانبثاق القرآني الهادر يوحي بأكثر من ملحظ بأولوية التوحيد في تأريخ البشرية ، والدليل الاستقرائي في الآثار والحفريات وقطع الفخار تثبت هذا التوجه في التوحيد ، والقرآن يؤكده بدقة متناهية في عالم الذّر ، قال سبحانه وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) « 1 » . وهذا ما يقطع به القول بأن التوحيد هو الأصل المتّبع ، وأن الاشراك هو الظاهرة التبعية المتأخرة ، وقد غذّى الرسل والأنبياء حقيقة التوحيد بالدلائل والمعجزات ، وأغنوا آفاقها بالحجج والبراهين ، فنجا من نجا عن بينة ، وهلك من هلك عن بينة . وتأبى البشرية بطغيانها أن تترك ضلالها ، فابتعدت عن حضيرة التوحيد ، ونأت عن مرتكزات العقل ، فنشأت النزعات التائهة في عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع ، وكان التخبط ممعنا في ظلمات العقائد الفاسدة ، والاشراك شائعا في أشتات العالم . ومن هنا نشأت الحاجة الماسّة إلى برنامج إلهي متأصل ، يدفع بهذا الانسان التائه إلى شاطئ الأمان ، ويأخذ بيده إلى مصادر النور والوعي ، ويضع نصب عينيه الحقائق مجردة ، ويعطيه الحريّة في الاختيار ، ويفيض عليه اللطف في التوفيق والإنابة والهداية ، ويسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة في العقل والرشاد والاخبات ، يجمع له الإفاضة الإلهية في روافدها المتجددة ، ويحذره من الانحدار إلى الهلاك والتردّي ، ويضمّ إليه التفكير الحرّ من أطرافه ، دون إضافة من كهنوت ، ولا تحريف من حاكمين ، ولا استعانة بجبروت ، وإنما هو الروح الآلهي . وكان الصراع بين القوى الايمانية الراشدة ، والقوى الطاغوتية المتألهة ، يوحي بحتمية المجابهة الطويل الأمد ، وكانت المجابهة طيلة التأريخ ، ولكن اللّه هو المنتصر ، وانتقامه هو القوي المطرد : عذاب استئصال لا يبقى ولا يذر ، وهو يرى طوفان عالمي لا عاصم معه ،

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 172 .