محمد حسين علي الصغير

229

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

تفرضها طبيعة الجهل المطبق من جهة ، وتحتّمها ملامح غيبية أولية لدى الانسان من جهة أخرى . الجهل والحيرة يبتكران هذا الخليط المتناقض ، والتعلق بحياة غيبية متصورة تستدعي تفكيرا آخر بعوالم ما بعد الموت ، قد يدعو إلى أوهام لا حدود لها ، وقد يقود إلى الوحدانية التي لا مفرّ منها ، تكثفت تلك الخصائص بصنمية العرب وجاهليتهم ، عكّفا على الأوثان ، وعبادة للأجرام السماوية ، ورضوخا إلى الأصنام المحلية والإقليمية ، عضد ذلك عبادة المجوس للنيران ، والشرك الظاهر والخفي لدى محرّفي الديانات الأولى في دعوى عزير ابن اللّه عند اليهود ، والمسيح ابن للّه عند النصارى ، أو هو ثالث ثلاثة : الأب ، الابن ، روح القدس . هذا الانقباض المرفوض في أبعاده الاشراكية ، وتلك الدعوات النشاز في العبادة الواهنة ، كان لا بد لها أن تتلاشى وتضمحل ولو جزئيا ، في انبعاث وإحياء جديدين ، لتنهار تلك الظواهر الفجة العقيمة ، لتحلّ محلها عقيدة التوحيد ، يدعهما نظام مثالي يستلهم الخالق المبدع المصوّر الذي ليس كمثله شيء ، فكان الداعي لذلك القرآن في بليغ آياته ، ومحكم دعواته وعظيم تبليغاته ، يحمله الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وسلّم شعلة وهّاجة لا تنطفئ وجاء الطرح القرآني علاجا لكل الظواهر السلبية في العالم ، فاستبعد التعصب الصاخب ، ورفض الزعم المتناقض ، ودحض المنطق الهزيل ، وحمل على القول الرخيص ، وفنّد الدليل الباهت ، وأوغل في حجج علمية وعقلية وعملية ثابتة ، بديهية لا تحتاج إلى برهان ، ومنطقية يعضدها الدليل ، واستقرائية ثبتتها التجارب ، كل أولئك بما يوافق الفطرة الانسانية متجاوبا مع الغريزة الطبيعية الثاقبة ، دون حاجة إلى الالتواء في الاستدلال ، أو التعنّت في الطرح ، أو الغوغائية في الزعم ، بل هو متجانس عضويا مع حقائق الأشياء ، ومترابط مع صفات الذات الانسانية المجردة ، فحمل على تلك المفاهيم المريضة ، وجردها مما يحيطها من هالات التقديس المصطنع ، ليطلّ بالحقيقة ناصعة مشرقة ، لا يحجبها ستار ، ولا تدبلجها بهرجة أو ترويج أو أقنعة ، بل هي هي كما يريدها العقل السليم والذائقة التلقائية .