محمد حسين علي الصغير

204

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

من واقع الغيب في الجزاء ، يحاول فرعون مجاراة ذلك الوعد بما هو واقع فعلا ، فيصور لرعاع الناس أنها تجري من تحته الآن إن تكلم بها موسى آجلا . والنفوس الضعيفة تستهويها المظاهر المصطنعة في عرض حاضر ملموس ، فملك مصر بأنهارها وكيفية جريانها ، وإن كان محدودا إلا أن الدهماء تغري بهذا اللون من البهرجة ، أما ملكوت السماوات والأرض والموت والحياة فتتطلب قلوبا ثابتة وأحلاما راسخة تبتعد بمناخها الروحي عن تفكير المغفلين وسطحية آرائهم ، والقوم كذلك في الغفلة ، ودليلها استغفال فرعون لهم بما أثاره حول موسى محكيا : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) . وكأن فرعون قد أوحى لقومه بأنه خير من موسى ، فلم يكن موسى صاحب سلطان أو ثروة أو تمكن في الأرض ، ولا بد في الموازنة بينه وبين من له ملك مصر بأنهارها وديارها ، أن يكون فرعون بحسب منطقهم أعلى شأنا وأفضل مكانا ، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه من شعب مستعبد مستباح يتمثل ببني إسرائيل ، وهو - فيما يزعم لا يفصح في كلامه لعقدة في لسانه ، ثم لفرعون ما أراد من صحة الاستدلال ، بيد أن ذلك في المنطق المقابل مردود بوجوه : الأول : إن الملك والسلطان والأثرة في حياة متقلبة أعراض قابلة للزوال والاضطراب والفناء في أية لحظة من اللحظات ، فكأنها لم تكن ، وفرعون نفسه متعرض لذلك في جميع مدخراته ومقتنياته وذاته ، أما النبوة ومنزلة الرسالة التي حازها موسى والتي تقود إلى حياة متميزة تتسم بالأبدية عند اللّه تعالى ، فهي الملك الحقيقي الثابت مع الاطمئنان والاستقرار ، وإذا حصل الاطمئنان حصل الرضى ، وإذا استقرت الحياة تحققت الغبطة . وذلك متوافر لموسى ، متباعد عن فرعون . الثاني : إن الصاق الازدراء من جهة ، والتهكم من جهة أخرى بموسى عليه السّلام مدرك لا يقوم على أساس من قبل فرعون ، فما هو إلا اللهو والعبث والاستعلاء ، لأن الطغاة يلصقون بأعدائهم من المؤمنين والصالحين ما شاءوا من نعوت وصفات ، ولا منكر لذلك ولا مغير ، فمن ذا الذي يتفوه عنده ، ومن ذا الذي يحاججه فيما يدعي ، ومقاليد الأمور بيده ، وهو الحاكم المطلق المتسلط .