محمد حسين علي الصغير

194

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) « 1 » والرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وسلّم من قريش في ذروتها ، ومن العرب في صميمها ، ومن الشرف الباذخ في أرومته ، فهو القائل « أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش » . وقريش صاحبة السقاية والوفادة ورعاية الحجيج ، وهي قيم عند الجاهليّين جدّ باهرة ، وهو نبعة من هذه الدوحة ، ولم يكن زعيمها ، ولكنه ابن زعمائها ، وأحد أفرادها على الأقل ، ذو خلق أصيل ، وصنو أمانة متناهية ، وهما من الشرف حيث هما حتى في المقياس الجاهلي . وهو بعد اليوم حامل رسالة ، وصاحب دعوة ، وكان لذلك أهلا ، وهنا تتجلى العظمة بارزة مجردة ، تجري عى سجيتها ، وتتناسب مع طبيعتها ، ولكن الاسماع سدت عن استيعاب نداء السماء في الاختيار لرسالته فصكهم بالاستفهام الانكاري ، وجبههم بما هو خارج عن مقدورهم أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) . وأنى ذلك ، ورحمة اللّه بيده ، ومقاليد الأمور بتصرفه ، يشرف من يشاء بالنبوة ، ويصطفي أي عباده شاء للرسالة ، فهو أعلن بالحكمة والمصلحة ، وليس عبء النبوة مقياسا من مقاييس الحياة الدنيا ، فيتم وفق رغباتهم ، وينزل به على مفاهيمهم ، وهم عاجزون حتى عن إدراك هذه الموازين وتسخيرها ، فكان المسخر لمقتضياتها المناسبة من بيده الحكم وإليه المصير . فتكفل بالقسمة الحقة العادلة في المعاش ، ونظر في المصالح عند تولي الأرزاق ، فقوم الحياة بمعادلات متكافلة وأسس دقيقة ، ترصد عوامل الانتاج ووسائل التوزيع وتعدد الأولاع ، ولم يفوض أمر ذلك إلى العباد فيختلط الحابل بالنابل ، وتتحكم الأهواء والرغبات فيضيع الحق وتتأزم الحياة ، وإذا كان ذلك كذلك ، فكيف بهم لو أنيطت بهم القضايا الروحية . إن هذا التفاوت في الأرزاق ، والتقابل في المعيشة تقويم للظروف الحيوية ، فلو تساوى الناس في الإيراد والاصدار والواجبات لتعطلت

--> ( 1 ) القلم : 4 .