محمد حسين علي الصغير
195
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
الأعمال ، وتقوضت الحرف ، ولا تكل البعض على البعض الآخر ، بينما يحقق هذا التفاوت باختلاف الموارد توافقا في نسب التوزيع بين الفئات المتعايشة في البيئة الواحدة لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وفق ما يقدم هذا الانسان ، أو ذاك من خدمات تنبض بالحياة ، فرب العمل في عمله ، والفلاح في مزرعته ، والمهندس في مشاريعه ، والطبيب في عيادته ، والتاجر في بضاعته . . الخ . كل أولئك عائلة متكافلة تتكون عادة من صنوف المهن لتتمّ خلافة اللّه في الأرض . يريد اللّه تعالى إعمار الأرض واستثمارها ، وذلك بتوفير المناخ المناسب لها ، ولولا اختلاف الحرف ، وتعدد المواهب ، وتفاوت الكفايات ، وتنقل الأعداد الشخصي ، لأصيبت الحياة بالقحط والبوار ، ولعادت عبئا لا يطاق في كثير من الأبعاد . إن تضامن البنية الانسانية في إدارة الأعمال المتراكمة يولد لها شكلا صالحا من الاستقرار ، ويحقق لها فريدا من الاطمئنان في سيادة النظام وتجنب الفوضى ، وبذلك تعود الحياة مؤهلة للادارة في كل زمان ومكان . وهكذا تضمحل الدعاوى التي تتخذ من مبادئ هذه الآية ذريعة لاتهام القرآن بايجاد التمايز الطبقي ، وبث روح الاستعلاء عند طائفة من الناس ، وهو فهم ساذج لا يكون مادة لهذا الاتهام المصطنع ، ذلك أن سنن الكون تقتضي تنظيم الحياة ، وتنظيم الحياة يقتضي تسخير الافراد بعضهم لبعض ، وفي ضوء ذلك تتقوم المرافق ، وتتاح فرص العمل ، فتتضافر الخبرات المختلفة لإشاعة روح الحياة ، فالمبدع والمفكر والمهندس والعامل والفلاح ، والكاتب والآمر والمنفذ والقاضي - وإن لم يتساووا بامتيازاتهم - فكل منهم يقدّم خبرة في مجال تخصصه ، ولو تساوى الجميع باختلاف ما يقدمون - لأمكن إيقاع الظلم بجهة ، وإسداء الإفاضة والعطاء على جهة أخرى ، دون مبرر لذلك المنع أو هذا الاسداء ، وهو أمر يخالف الطبيعة العادلة في إعطاء كل ذي حق حقه ، وبذلك يدفع الاتهام لنظام القرآن ، بل نجد فيه تطويرا لنظام الحياة . وما هذا وذاك إلا عرض زائل من متاع الحياة الدنيا ، وهناك الجوهر