الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

277

القرآن نهج و حضارة

والقرآن لا يحوي على الناسخ والمنسوخ فقط ، وإنما هناك عام وخاص ، وإطلاق وتقييد ، ومحكم ومتشابه ، فلا يحق لأحد أن يتسرع بإصدار الأحكام دون معرفة الآيات ونوعيتها ، كما قال أمير المؤمنين ( ع ) إلى قاض مر عليه « هل تعرف الناسخ من المنسوخ فقال القاضي لا . فقال أمير المؤمنين ( ع ) إذن هلكت وأهلكت » . « 1 » فمن هنا جاءت فكرة النسخ لتخلق في الإنسان حالة الاستجابة الثابتة القائمة على الحق . فالاستجابة وحدها لا تكفي بل لا بد من الثبات ، وقد أكد ذلك ربّنا بقوله سبحانه وتعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ . « 2 » وما أثاره المشركون في قولهم أن النبي ( ص ) كاذب في تبديله للحكم « قال ابن عباس كانوا يقولون يسخر محمد بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وغدا يأمرهم بأمر وانه لكاذب يأتيهم بما يقول من عند نفسه » « 3 » أرادوا بهذه الإثارة خلق حالة من التردد في نفوس المسلمين ، وإيجاد الشبهات لإبعادهم عن الإيمان الراسخ في قلوبهم ، وزلزلة ذلك الثبات عندهم بإضعاف إيمانهم . يقول : صاحب الميزان « وبتجدد الحكم حسب تجدد المصلحة يؤتون ثباتا على ثبات من غير أن يضعف ثباتهم الأول » . « 4 » فحكمة الرب عز وجل في مقابل شبهات الشيطان التي ترد على ألسنة المشركين لإضعاف المؤمنين كانت مرصادا لتجعل الذين آمنوا يعتصمون بروح

--> ( 1 ) البحار ( ج 92 ) ص 95 ( 2 ) سورة النحل آية ( 101 - 102 ) ( 3 ) مجمع البيان ( ج 5 ) ص 595 ( 4 ) الميزان ( ج 12 ) ص 346