الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

267

القرآن نهج و حضارة

لَعَلَّكَ باخِعٌ ( أي قاتل ) نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . « 1 » فمع الجهد الذي بذله النبي ( ص ) كان للوحي دور في رعايته ، وفي إعطائه التشريع المناسب لكل مرحلة ، ولكل وقت يتعرض المسلمون فيها إلى قضية تحتاج إلى حل ، فلم يتركوا بدون أن يخبرهم النبي ( ص ) بذلك . ولم يكن الوحي يفاجئ المسلمين بالتشريع بل كان يتدرج مع الأحداث والوقائع ، وقد تناولت الآيات النازلة بهذه الكيفية المشاكل الاجتماعية والعادات السلبية التي وقف الوحي منها موقف المتمهل والمتريث ، بأمر السماء حتى يتسنى له أن يمهد الطريق ، ويجعله سالكا وفق التنظيم الزمني حتى لا تكون هناك فوضى في تلقي الأحكام . وعند تقصي المراحل التي مرت فيها هذه الدعوة نرى أن ظاهرة النسخ تعد ضرورة من الضرورات التي اعتمدها الوحي في تربية الخلق ، وكانت ضمن مراحل التدرج النزولي للقرآن ، وقد عد الفقهاء الآيات المنسوخة فوجدوا أنها لا تتجاوز عشرين آية . « وكانت ظاهرة النسخ أمرا لا بد منه في كل تشريع يحاول تركيز معالمه في الأعماق ، والأخذ بيد أمة جاهلة إلى مستوى عال من الحضارة الراقية . الأمر الذي لا يتناسب مع الطفرة المستحيلة ، لولا الأناة والسير التدريجي المستمر خطوة بعد خطوة » . « 2 » فمعرفة الناسخ والمنسوخ والإمام به يلقي الضوء على سير التشريع الإسلامي ، ويبين للإنسان تلك الخطوات التي اتبعها الخالق ورسمها بدقة بالغة

--> ( 1 ) سورة الشعراء آية 3 ( 2 ) التمهيد ( ج 2 ) ص 273