الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
236
القرآن نهج و حضارة
الآخر . فلم تكن الرسالة تتجاوز الفرد على حساب المجتمع ، ولا المجتمع على حساب الفرد ، بل هي عملية تغييرية لا تحمل إلا بعدا واحدا بالنسبة إلى الفرد والمجتمع ، وهو البعد الديناميكي باعتبارها حركة يتغير بموجبها المحتوى الداخلي للإنسان فتغير بذلك المظاهر العامة للحياة . ولعلنا نعزي السبب في فشل الأطروحات الأخرى التي تدّعي أنها تحمل فكرا تغييريا على مستوى الحضارة لتقود المجتمع إلى السلام ، لعل ذلك يرجع إلى ارتجالية أو عفوية أو اعتباطية هذا الفكر . وقد أشرنا إلى ذلك في موضوع سبق هذا البحث ، وحيث أن الإسلام يريد أن ينشر رسالة ليغير بها عقائد الناس وأفكارهم ، يضع قوانين وتعاليم جديدة عليهم لتنظيم حياتهم الفردية والاجتماعية ، فكانت تأتيهم هذه التعاليم متدرجة ، لصعوبة التغيير المفاجئ للأفكار التي سبق وأن آمنوا بها وعشعشت في أدمغتهم ، فما كان من الوحي الذي جاء ببديل لهذه الأفكار إلا أن يتدرج بالتشريع ، وأن يكون الإقناع بالفكر الجديد خاضعا للأسلوب والوسيلة التي يختارها اللّه . بل وحتى الظرف المناسب والوقت الملائم ، وذلك تحاشيا للهزات الاجتماعية العنيفة ، والصدام الذي يحدث فيما لو فاجأهم الوحي بكل ما لديه ، وبيان كل الانحراف الذي هم عليه مرة واحدة ، فلا بد من أخذهم رويدا رويدا بما يوافق تطويرهم من التشريعات والأنظمة والقوانين فيغير سلوكهم . وكان للأسلوب دور كبير في التدرج على صعيد المجتمع . فبدأ النبي ( ص ) بالأقرب ثم الأقرب ثم بعشيرته وبمجتمعه وقبيلته . كذلك تدرج في الأسلوب ، حيث كان القول الحسن ثم الإرشاد والموعظة ، وبيان المواقف السلبية والمقاطعات السلمية ، والنهي عن الركون إلى الأعداء .