الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

237

القرآن نهج و حضارة

كما أنه ليس من الحكمة وضع كل ما جاءت به الشريعة في أيدي الناس ولو تم ذلك لما استطاع النبي ( ص ) أن يربي هذه الأمة . يقول الزرقاني في الحكمة من تدرج القرآن : « التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة ، وعبادتهم الفاسدة ، وعادتهم المرذولة . وذلك بأن يروضوا على هذا التخلي شيئا فشيئا ، بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئا فشيئا . فكلما نجح الإسلام في هدم باطل انتقل بهم إلى هدم آخر ، وهكذا يبدأ بالأهم ثم بالمهم حتى انتهى بهم آخر الأمر عن تلك الأرجاس كلها فطهرهم منها ، وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج ، وفطمهم عنه دون أن يرتكسوا في سابق فتنة أو عادة » . « 1 » وهذه كانت طريقة القرآن في تربية الأمة . والسياسة الرشيدة التي اتبعها النبي ( ص ) معهم - ولم تكن منه بل هي مستوحاة من كتاب اللّه - فأخذ يمهّد لهم الطريق كي يتحلوا بالعقائد الصحيحة ، ويتركوا سلبيات الجاهلية ، والتزموا الأخلاق الفاضلة ، ويتجهوا إلى عبادة اللّه بدل عبادة الأصنام بهذه السياسة الرشيدة . ولهذا بدأ القرآن بفطامهم عن الشرك والإباحة ، وبصرهم بالتوحيد ، وعرفهم على المسؤولية في الحياة الدنيا ، وبيّن لهم أن هناك بعث بعد الموت وجزاء وحساب ، كل ذلك بالأدلة والبراهين . بعد ذلك جاءت مرحلة العبادة التي بدأها اللّه سبحانه وتعالى معهم بفريضة الصلاة قبل الهجرة ، والزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة ، ثم بعد ذلك بالحج في السنة السادسة منها . كما أن القرآن زجرهم عن الكبائر ، وشدد عليهم فيها ونهاهم عن الصغائر . كل ذلك بالرفق واللين . وتدرج بهم في تحريم ما كان مستأصلا

--> ( 1 ) مناهل العرفان في علوم القرآن ( ج 1 ) ص 49