الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
151
القرآن نهج و حضارة
كونوا موحّدين : للتوحيد معنى متميز في القرآن الكريم ، لا يدركه إلا أهل البصيرة والفهم العميق ، لأنه من المسائل التي يتوقف على معرفته ، ويكون شرطا أساسيا لاتباع والتزام ما جاء به هذا الكتاب ، يقول الإمام علي ( ع ) في نهج البلاغة : « أول الدين معرفته وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له » . « 1 » ومما لا شك فيه أن معرفة اللّه الواحد الأحد معرفة فطرية ، وحينما نقول أن المعرفة فطرية يعني أن عقل الإنسان ليس بحاجة إلى بذل جهد ، وإقامة البراهين الفلسفية المنطلقة من قواعد معقدة حتى نثبت له ذلك ، بل هو يدرك الأمر بسهولة ، بالنظر إلى ما حوله من الوجود ، والظواهر التي تحيط به كإنسان ، فيشعر أنها بحاجة إلى مدبر ، ويتولد عنده من ذلك الشعور بأنها محتاجة إلى صانع يوجدها ، وخالق لا يحتاج في إيجادها إليها ، يقول سبحانه وتعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ « 2 » ، وعن الإمام الصادق ( ع ) أنه قال : في تفسير هذه الآية الشريفة فطرهم على المعرفة . « 3 » فبالمعرفة الفطرية تنشأ العلاقة القلبية ، التي تربط الإنسان بقوة تعيش في أعماق قلبه ، وتشعره بضعفه أمام هذه القوة الإلهية ، وانه مجرد مخلوق من قبل خالق لهذا الكون ، وقد يغفل بعض البشر عن هذه القوة الإلهية ، لهذا فهم بحاجة إلى تذكير ، وتنبيه عن غفلتهم ، فكان الأنبياء حيث بعثهم اللّه للناس ، كي
--> ( 1 ) نهج البلاغة خطبة 1 ( 2 ) سورة الروم آية 30 ( 3 ) المحاسن ( ج 224 ) ص 241