الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

152

القرآن نهج و حضارة

يذكروهم بهذه العلاقة القلبية ، فيقول ربّنا سبحانه وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ، أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . « 1 » وكما أن المعرفة للوجود الإلهي فطرية ، كذلك التوحيد فطري ، ومعنى هذا القول أن لا شريك للّه عز وجل ، كما يقول ربّنا سبحانه وتعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ « 2 » ، وتشير هذه الآية إلى تلك المعرفة الفطرية التي يقرّ بها العقل ، بغرض الفساد بوجود الهين في الكون ، لأن ذلك يخالف وحدة التنظيم ، والإتقان في النظام ، التي تدل على أن الخالق في غاية الإبداع والحكمة والكمال ، وهو في غنى عن الشريك . والقرآن الكريم قد أشار إلى التوحيد والدعوة إليه ، واعتبره أساسا لبناء المجتمع ، وإقامة صرحه ، برفض كل بديل ، وفكرة غريبة ، لا تنطلق من هذا الأساس ومن هذا المبدأ . كما واعتبره المحرك الأول للفكر والثقافة الإسلامية ، التي تبني حاضر ومستقبل الأمة الإسلامية كما شيدته في الزمن الماضي ، فهو يمثل المنطلق الحقيقي للنهوض والبناء والتقدم في عصرنا هذا وفي كل عصر . ولم يكن التوحيد سمة القرآن والإسلام فقط ، بل هو سمة اتصفت بها كل الأديان السماوية جميعا ، وقد دعت إلى وحدانية اللّه في هذا الكون ، وما نهضت الأمة الإسلامية ، وما استطاعت أن تكوّن حضارتها ، وتقيم مجدها إلا

--> ( 1 ) سورة الأعراف آية 172 ( 2 ) سورة الأنبياء آية 22