الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

139

القرآن نهج و حضارة

البشر مصيرهم بسبب اختيارهم ، فإن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . « 1 » ومن الأمور الأخرى التي تدلل على التوافق العقلي للقرآن ، هي مسألة القبول بوجود المصلحة التي يقرّها العقل من وراء وجود الأحكام الشرعية والالتزام بها ، كما أن هناك مفاسد في الأمور التي ينهى عنها العقل ، أي أن الحكم الذي يصدره المشرع عبر كتابه المجيد ورسوله المصطفى له علة معينة تابعة للمصلحة ، وقد نعرف العلة بعينها ، وقد لا نعرفها ، وحيث أن اللّه حكيم وعادل وعالم فلا يصدر منه حكم يأمر به عبده إلا وفيه مصلحة له قد يجهلها ، ولا ينهاه عن عمل إلا وفيه مفسدة قد لا يصل إليها . يقول السيد الخوئي : « إن الأحكام إنما جعلت لمصلحة اقتضت التشريع ، وحفظ لتلك المصلحة ، لا بد من إيجاد أمور ، وتحريم أمور ، وحيث أن الأفعال بعضها مشتملة على المصلحة ، وبعضها الآخر على المفسدة ، فهما صارتا مرجحتين في إيجاب ما فيه المصلحة وتحريم ما فيه المفسدة . ويقول أيضا : والتحقيق أن يقال أن العقل وإن لم يكن له إدراك جميع المصالح والمفاسد إلا أن إنكار إدراكه لهما في الجملة ، وبنحو الموجبة الجزئية مناف للضرورة ، ولولا ذلك لما ثبت أصل الديانة ، ولزم إقحام الأنبياء ، إذ إثبات النبوة العامة فرع إدراك العقل لقاعدة وجوب اللطف . « 2 » وقد تبيّن مما ذكر أن العقل لا يخالف الشرع الذي يتمثل في القرآن ، كما أن الشرع لا يخالف العقل .

--> ( 1 ) سورة الزلزلة آية ( 7 - 8 ) ( 2 ) أجود التقريرات ( ج 2 ) ص 37