الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
138
القرآن نهج و حضارة
البرهان والحجة والدليل والبيان كلها بمعنى واحد ، تساق حين مطالبة الإنسان أن يبرهن على صدق عمله عن طريق الاستدلال العقلي أو المنطقي على ما يقوله . وهذا يعني نفي التقليد ، والحث على استخدام العقل ، وجعله قاعدة أساسية في التفريق بين الحق والباطل ، وبين الإيمان والكفر ، وبين الإسلام والجاهلية ، يقول سبحانه وتعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ . « 1 » قد يقول البعض إن القرآن أكّد على العقل في نواحي دون أخرى ، فهو يريد منّا أن نبرهن ، ونستدل عن طريقه في المنحى العقائدي ، الذي يرتبط بالوجود وفلسفة الكون دون أن يكون للعقل مدخلية في الجوانب الاجتماعية أو الاقتصادية أو ما شابه ذلك . ولامتياز القرآن ككتاب سماوي على غيره بشموليته وديمومته إلى يوم يبعثون ، فقد أكّد على أصالة العقل ، عن طريق قاعدة عقلية من قواعد الفكر ، فاحترمها القرآن ، وهي قاعدة العلية والمعلولية ، التي نحصل من خلالها على قاعدة اجتماعية قد تطرق إليها القرآن ، وهي متفقة مع تلك القاعدة العقلية ، فيقول ربّنا سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . « 2 » فلن يغير اللّه مصير شعب أو أمة إلّا إذا غيّر ذلك الشعب ، أو تلك الأمة ما به من فساد أو انحراف بإزالة كل الأمراض النفسية والاجتماعية ، وتبديلها بنظام أخلاقي اجتماعي صالح حينها يغير اللّه ما بهم ، وبهذا يحمّل القرآن
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 170 ( 2 ) سورة الرعد آية 11