الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
137
القرآن نهج و حضارة
التوافق العقلي : الخطاب في القرآن موجه إلى البشر من حيث هم بشر ، بعيدا عن امتلاك صفة يختص بها البعض ، وتميزهم عن البعض الآخر . فهو موجه إلى أسمى شيء وجد عند هذا الإنسان ، وبه كرّمه اللّه عندما خلقه وهو العقل . فالقرآن إذا آياته وأحكامه وتشريعاته موجهة إلى الإنسان بعقله وروحه لا بجسده فقط . ومن هنا كانت دعوة القرآن إلى التعقل ، والرجوع إلى العقل ، وجعله حجة ومقياسا للأمور ، يقول ربّنا سبحانه وتعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . « 1 » الإنسان هو أحد الدواب التي تدبّ على الأرض ، فاللّه عز وجل لم يخلق الإنسان شريرا ، ولكن نوازع الشر عنده لعدم استخدام كوامن الخير ، وتسخيرها في الطريق السليم التي منها العقل . والقرآن يستثير هذا العقل من خلال دعوة الإنسان إلى التفكير ، التفكير في كل شيء ، في مخلوقات اللّه في السماوات والأراضين ، وكيف قامتا في هذا الكون الواسع وما فيه ، فهو يقوم بعملية إثارته ، وإيقاظه من سباته ، كي يكتشف الحقائق بنفسه دون واسطة . ومن هنا فالمنهج القرآني قائم على أساس البرهان ، وقد اعتمد الاستدلال المنطقي القائم على مخاطبة العقل ، واعتبره سندا ، يقول سبحانه وتعالى : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » ، و
--> ( 1 ) سورة الأنفال آية 22 ( 2 ) سورة البقرة آية 111