محمد محمد أبو ليلة
266
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
بعد هذا التوضيح ننظر في دعوى أخرى أثارها المستشرق " فولرز " ضمن مزاعمه بالنسبة لمرسوم المصحف الإمام ، إذ يقول إن عملية الزيادة أو النقصان بالنسبة لبعض الحروف في بعض كلمات القرآن الكريم تظهر فقط في القراءة الشاذة فإنه قول سطحي مجاف للحقيقة فإن هناك بعض الكلمات بالرسم العثماني جاءت موافقة لقراءة شاذة ( أي غير متواترة ) من ذلك قوله تعالى : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ( البقرة : 70 ) ، أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ؛ ( البقرة : 100 ) ، فَلَقاتَلُوكُمْ ( النساء : 90 ) ، وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ( الإسراء : 13 ) ، تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( مريم : 25 ) ، وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ( لقمان : 14 ) ، عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ( الإنسان : 21 ) خِتامُهُ مِسْكٌ ( المطففين : 26 ) « 1 » وقد قدمنا أمثله كثيرة لهذه الاختلافات في رسم المصحف العثماني ، وإذن فإن القراءة الشاذة ليست هي وحدها التي حفظت لنا هذه الاختلافات الإملائية في رسم الكلمة القرآنية في المصحف الإمام ، كما زعم الكاتب المذكور . إن رأي فولرز فيه مجازفة شديدة وتجرؤ على العلم عجيب وتعنت في قلب الحقائق مريب ، وعدوان على التاريخ صارخ ، ولسنا نأبه بمن لا يحترم للبحث العلمي أصوله ومناهجه . وعلى أي حال فقد أدرك معاصرو فولرز من المستشرقين المعنيين بالدراسات القرآنية تفاهة آرائه وتجردها من الدليل ، ومن حسن التعليل وعلى الرغم من أنها قد قوبلت بمناقشات كثيرة فإنها لم تصادف تأييدا داخل ألمانيا نفسها ، ولكنها للأسف قد وجدت بعض التأييد خارج حدود ألمانيا ، ووراء كل زاعق ناعق . هذا باستثناء بعض المقالات التي كتبها بول كال ( Paul Kahle ) الذي تمخض اجتهاده عن دعوى أخرى عجيبة هي أن القرآن كان يقرأ دون التزام بالإعراب حتى القرن الثاني للهجرة ، وهذا عنده دليل على أن القرآن كان يقرأ بالعامية ، ولكن نظرية كال قد أخفقت تماما كنظرية سلفه فولرز حتى في إقناع الكتاب الغربيين أنفسهم . إن مناقشة نظرية فولرز جاءت بشكل تفصيلي في استعراض د . جيتر ، ونولدكه وقد حازت للأسف على قبول الباحثين الغربيين بشكل عام ، حيث زعم إسكواللى أن لغة
--> ( 1 ) المصدر السابق 158