محمد محمد أبو ليلة

265

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ويمكن أن يكون الاختلاف بالحذف كحذف الواو من : وَيَدْعُ ، و وَيَمْحُ ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ، وهذا الحذف له سرّه ؛ وهو كما يقول المراكشي فيه تنبيه على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل ، وشدة وقوع المنفعل المتأثر به في الوجود ، أما وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ فيدل على أنه سهل عليه ، ويسارع فيه كما يسارع في الخير ؛ بل إثبات الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير . وأما وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ فللإشارة إلى سرعة ذهابه ، واضمحلاله ، كما في قوله تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) ( الإسراء : 81 ) ، و " زهق " معناه اضمحل بسرعة ؛ وأما قوله تعالى : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ففيه إشارة إلى سرعة الدعاء عند شدة الخوف والاضطراب ، وسرعة إجابة المدعوين ؛ وحذفت الواو من سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ فللإشارة إلى سرعة الاستجابة من قبل اللّه تعالى وسرعة تنفيذ أمر اللّه من جهة الزبانية ، أي ملائكة العذاب ، وشدة البطش ؛ وزيدت ألف بعد الواو ، كما في : مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، و أُولُوا الْأَلْبابِ ، و تَفْتَؤُا ، و مِائَةَ ، و مِائَتَيْنِ ، و الظُّنُونَا ، و الرَّسُولَا ، وَجِيءَ ، و ( نبئ ) ؛ قال المراكشي : زيدت هذه الأحرف في هذه الكلمات : ( وجاى ) ، و ( نبئ ) ونحوها ، للتهويل والتفخيم ، والتهديد ، والوعيد ؛ كما زيدت في ( بأييد ) في قوله تعالى : ( والسّماء بنيناها بأييد ) تعظيما لقوة اللّه تعالى التي بنى بها السماء التي لا تشابهها قوة « 1 » . وتكتب ألف الصلاة في المصحف " واوا " للتفخيم وتكتب كذلك في الصَّلاةَ ، كما زيدت في الزَّكاةَ ، و الْحَياةِ ، الرِّبَوا بشرط أن تكون غير مضافات « 2 » . بيّنّا بالأمثلة الواضحة ما يختص به الرسم العثماني في المصحف الإمام ، وبينا أنه توقيفى لا سبيل إلى الخروج عنه ؛ وأنه ليس مجرد اختلاف في الرسم الهجائي فحسب ؛ بل إنه يحمل بعض المعاني والإشارات بحسب القرائن والمناسبات .

--> ( 1 ) الإتقان 4 / 149 : 151 ( 2 ) المصدر السابق 154