محمد محمد أبو ليلة
253
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
جمعت ووضعت معا لتكوّن السور بوضعها الحالي في المصحف ، وبغض النظر عن الدافع من وراء هذا القول ، فإن المسلمين لم ينكروا وجود آيات مدنية في سور مكية أو العكس ، كما قرره العلماء المهتمون بالقرآن وعلومه . ونكرر أنه ليس من خطة القرآن قط الالتزام بالترتيب الزمنى للآيات والسور ، فالآية أو السورة ، وإن نزلت في وقت معين ، وفي مناسبة بعينها ؛ فإن موضوعها بلا شك يتعدى الوقت والمناسبة الخاصة التي نزلت من أجلها ، إنها تغطي بخطابها ومفهومها ودعوتها ، الزمن كله ، وتستغرق جميع المناسبات إلى يوم الدين . على أن بل ، وبعد أن استعرض محاولات موير ، وجريم ، وهيرشفيلد ، وريجيس بلاشير ، اعترف أنه من الممكن الشك في إمكانية ترتيب كامل للقرآن بحسب النزول « 1 » وأنه أفضل ما يمكن التوصل إليه من قرار بشأن وضع ترتيب تاريخي للقرآن هو عرض مبادئ عامة ، ووضع تصور يمكن أن يدمج فيه نظم القرآن . ويقول بل إنه في غياب المرجعية التاريخية للأحداث ، فإن الأسلوب يمكن أن يكون معيارا مفيدا لتحديد تاريخ تقريبي ، لكنه يعود فيعترف بأن هذا المعيار صعب استعماله ، ويبدو أن بل لم يقتنع بعدم جدوى محاولته في التعرف على ترتيب تاريخي لسور القرآن من جهة الأسلوب ، فذهب ينظر من جهة تركيب الجمل ؛ ولكنه هنا أيضا لم يجد الطريق معبرا على طول الخط ، إذ أن الجمل القرآنية تشتمل على متماثلات ، ومتغايرات ، يمكن أن تقود إلى نتائج خاطئة . وينبغي أن نعرف أن القرآن كتاب فريد ليس من تأليف بشر يمكن أن نتتبع أسلوبه ، وجمله ، ومضامينه لنتعرف من خلالها على تاريخ كل عمل وظروفه على حدة ، في ضوء حياة صاحبه وأحواله . إن القرآن كالمجرة يبدو في نفسه كلّا منسجما ، وإن كان يحوى أجزاء في داخله ، كل جزء منها لم يميزه في محيطه اللجيني المترامي . والعجيب أن بل بالرغم من هذا الإخفاق الذي مني به يعود فيجازف بالقول بأن الآيات الأولى لسورتي العلق ، وسورة القلم ليست مما نزل في الوقت الذي يقول به المسلمون ، أي في أول فترات نزول الوحي ، يقول : " إن طريقة الحديث في هاتين السورتين
--> ( 1 ) مقدمة بل ووات ص 103 .