محمد محمد أبو ليلة

249

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

أما سور الفترة الثانية أو المرحلة المكية المتوسطة فتتميز سورها بأنها أطول من سور الفترة الأولى ، ومع كونها تميل إلى الشكل النثري في تركيبها فإنها لا تخلو تماما من القيم الشعرية . يعتبر ويل أن سور هذه الفترة تقف وسطا بين سور المرحلة الأولى والمرحلة الثالثة من العهد المكي ، وهي تتميز أيضا بالحديث عن اللّه وصفاته وبخاصة صفة الرحمة ( الرحمن الرحيم ) ، وبالوصف الحي للجنة والنار ، وقصص العذاب التي كتبت بطريقة بارزة كالكتابة بحروف مائلة أو في جمل اعتراضية « 1 » . وأما سور الفترة الثالثة من فترات العهد المكي حسب تقسيم جوستاف ويل فإنها أطول من حيث الحجم وأكثر نثرية من حيث الشكل ، من آيات الفترتين السابقتين ، أضف إلى ذلك أن " القوة الشعرية " قد اختفت منها تماما ، وفي هذه السور يتخذ الوحي شكل الحديث أو الموعظة ، وتتكرر قصص الأنبياء ، وقصص العقوبات في هذه السور بتفاصيل أطول كثيرا مما هي في غيرها . ويضيف " نولدكه " بطريقة تأكيدية إلى هذا القول عملية تغيير الألفاظ والمصطلحات في هذه السور مع الاحتفاظ بالشكل نفسه بين سور آخر العهد المكي وسور العهد المدني « 2 » . لا ضير في أن يجتهد الباحثون الغربيون من أجل وضع ثبت تاريخي مفصل ، ما أمكن ، لسور القرآن الكريم . وإذا كان المسلمون أنفسهم لم يحاولوا هذا الشيء نفسه بهذا الشكل المحدد ، فإنهم ربما رأوا أن القرآن لا يخضع في نزوله بالضرورة للحوادث التاريخية ، ولكن مكمن الخطورة في محاولة المستشرقين يتمثل في الإيحاء تصريحا أو تلميحا بأن القرآن خاضع لحوادث التاريخ ، وأنه من ثم مرآة للحياة العربية وترجمان عن شخصية محمد - النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي هو في اعتقادهم مؤلف القرآن ، وصاحبه ، وهذا غير معقول وغير مقبول بالمرة . وقد سقط في هذه الهوة كتّاب مسلمون للأسف في طور مراهقتهم الفكرية كالدكتور طه حسين مثلا كما يتجلى في كتابه " في الشعر الجاهلي " « 3 » ؛ الذي نرى أنه طبّق الشك فيه على الشعر الجاهلي فيما لا شك فيه ، محاولا أن يسقط أدب فترة كاملة من حساب

--> ( 1 ) انظر دائرة المعارف ص 416 وما بعدها . ( 2 ) انظر على سبيل المثال السور 7 ، 72 ، 35 ، 37 ، 28 ، 17 ، 20 ، 11 ، 12 ، 16 . ( 3 ) أحدث كتاب طه حسين هذا سخط واعتراض علماء مصر ومن أبرز من رد عليه مصطفى صادق الرافعي في كتابه تحت راية القرآن . القاهرة . المكتبة التجارية 1383 - 1963