محمد محمد أبو ليلة
250
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
التاريخ لا لشيء إلا ليكون مجدّدا ، غفر اللّه له . وزعم المستشرق " ويل " بأن العهد المكي تتميز آياته بالسجع ، ليس صحيحا ؛ والصحيح أن السجع إنما هو طريقة من طرق الأداء القرآني بشكل عام ؛ والقرآن نزل بلغة العرب ، وعلى عرفهم في اللغة وعادتهم في التذوق الأدبي ، حتى لقد كان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا ، لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه ؛ لاستماع طول الكلام ، فلم يرد كله مسجوعا جريا منهم على عرفهم في الطبيعة الغالبة من كلامهم . ولم يخل القرآن كذلك من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام « 1 » . وقد تحفّظ بعض العلماء في إطلاق هذه التسمية أعنى " سجع " على القرآن فسموها " فواصل " تفاديا لتسمية الفواصل القرآنية بالأسجاع . قال الرماني في إعجاز القرآن إن الأشعرية يمنعون أن يقال : في القرآن سجع ؛ وفرقوا بين السجع والفاصلة ، بأن السجع هو الذي يقصد في نفسه ، ثم يحال المعنى عليه ، والفواصل هي التي تتبع المعاني ، وغلّط الخفاجىّ الأشعرية في هذا القول في كتابه " سر الفصاحة " ، وذلك لأن ما يمكن أن يقال في السجع ، يقال أيضا في الفواصل ، وعلى أية حال فالتكلف في كلا الاثنين عيب ، والقرآن خال من كل عيب . وواضح أن حجة الرافضين لتسمية ما في القرآن من توافق آخر الكلمات سجعا ، هو رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهان « 2 » . ولما ألف السيوطي كتابه الضخم " معترك الأقران في إعجاز القرآن " ضمنه وجوه الإعجاز في الكتاب العزيز ، وكان أول وجه للإعجاز ذكره السيوطي ، " هو كثرة علوم القرآن ومعارفه التي لم يجمعها كتاب واحد قط ؛ والوجه الثاني : كونه محفوظا ضد الزيادة والنقصان ممنوعا من التبديل والتغيير على تطاول الأزمان ، بخلاف سائر الكتب المقدسة . والثالث من وجوه الإعجاز في القرآن : الذي هو من صميم موضوعنا " حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحتها ، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة لعادة العرب ، الذين هم فرسان الكلام
--> ( 1 ) السيوطي . معترك الأقران في إعجاز القرآن بيروت . دار الكتب العلمية 1408 ه / 1968 ، 1 / 26 . ( 2 ) المصدر نفسه 1 / 26 وأيضا الباقلاني . إعجاز القرآن ص 75 .