محمد محمد أبو ليلة
228
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
إن الكاتب منصف في عرضه وفي ردّه هنا ، ولكننا بتسليط بعض الضوء على ما بين السطور اكتشفنا أن الكاتب يريد أن يعطى القارئ انطباعا مؤداه أن القرآن كتاب طلاسم غير مفهوم للمسلمين قديمهم وحديثهم ؛ وهذا الفكرة في حد ذاتها تمثل عصب الدراسات الاستشراقية بوجه عام ؛ وأمر المستشرقين في هذا أغرب مما يتعجب منه ، فالقرآن قد أوجد أمة عظيمة وشكّلها تشكيلا فريدا ، وقاد مسيرتها إلى القوة ، والخير ، والعدل ، والمجد ، والحضارة ؛ ومن القرآن انبعثت علوم المسلمين ومعارفهم ؛ وبهذه الآيات الإلهية حكموا وسادوا ، وتعلموا وعلموا ، وأسسوا قواعد المنهج والعلوم التجريبية . ومهما يكن الأمر فإن الغموض الذي يحيط بالحروف المفرقة لا يترتب عليه ضياع تكليف شرعي ، أو إسقاط قاعدة عقدية يكون الجهل بها ضارا بالمكلّفين ، أو مثارا لتشككهم في الدين . وهنا نتناول آراء المستشرقين ومن نهج نهجهم في طبيعة الحروف المقطعة وأسرارها ؛ إن مقولة المستشرق " لوث " في أن الحروف المقطعة قد تأثرت في أصل وضعها " بالكبالا " ( التصوف اليهودي ) يعد أكثر عشوائية ذهنية من مقالة الطاهر الآنفة الذكر ، ما للقرآن والكبالا ؟ ؛ ما علاقة الحروف المقطعة باليهود ، وأين يا ترى هو الدليل على هذه الدعاوى العريضة ؟ إن هذه الحروف جزء من الوحي ، ومعانيها المحددة كانت وستظل موضع خلاف بين علماء المسلمين ؛ فهي من أسرار القرآن ومتشابهه ، ولنا أن نجتهد في التعرف على معانيها ؛ ولكننا لا نقطع أبدا بأن ما توصلنا إليه باجتهادنا أو توصل إليه غيرنا هو مراد اللّه تعالى منها على القطع ؛ على أنه من اللافت للنظر حقا ، أن هذه الحروف موزعة على تسع وعشرين سورة ، سبعا وعشرين منها مكية ، واثنين فقط مدنية ، بخلاف ما زعم " لوث " . هذه السور منها الطويل ، ومنها القصير ، ومنها المتوسط ؛ ومنها المذكور في أول القرآن والمذكور في وسطه والمذكور في آخره ؛ ومن العجيب أننا لم نجد أحدا من المسلمين ولا نقاد القرآن قبل لوث زعم هذا الزعم . وقد أنصف حقا إف . إسكواللى في رفضه لرأى لوث ووصفه له بأنه عشوائي جدا . لكنه مع ذلك قد أثنى على طريقته ومنهجه في البحث في كتابه " تاريخ الآداب أو العلوم " حتى سنة 1919 ، ورفض إسكواللى بالتالي تفسير نولدكه الأخير للحروف المقطعة ، والمبنى أساسا على رأى لوث السابق واعتبر إسكواللى بحق أن رأى نولدكه يحوطه الشك .