محمد محمد أبو ليلة

229

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وعلى الرغم من هذا فإن إسكواللى يرى أن هذه الحروف لها معاني رمزية لا تزال لها صلة على نحو ما بتنقيح السور القرآنية التي تتصدرها ، وإسكواللى ، ولكنه هو الآخر مخطئ في زعمه بأن الحروف لها علاقة ما بتنقيح السور القرآنية ؛ إنه للأسف رفض الرأي الذي وصفه بالعشوائية ؛ في الوقت الذي تبنى هو رأيا أكثر عشوائية وأشد فحشا منه ، إنه للأسف أوسع في الدعوى ، وأمعن في البعد عن الدليل . ترى من نقح القرآن وهو كلام اللّه المنزل بحروفه ومعانيه وترتيب سوره وآياته ؟ ومتى وقع هذا التنقيح ومن هم الشهود عليه ؟ . إن هذا الزعم جد ممعن في الغرابة ، وهل تنقيح القرآن يتم بوضع مجموعة من الحروف الهجائية في أوائل بعض السور لا كلها ؛ هذه الحروف لا يقطع أحد من علماء المسلمين بحقيقة معانيها على وجه الدقة واليقين . ويفوض جمهور علماء الأمة علم معانيها إلى اللّه تعالى ؟ كيف ساغ للمستشرق هذا الادعاء بالنسبة للقرآن ؛ وكيف اعتبر أن تصدير بعض سور القرآن بالحروف المقطعة التي يزعم أنها غير مفهومة المعنى تنقيحا ؟ وما رأى المستشرق في السور التي تخلو من مثل هذه الحروف ؟ هل تركت غير منقحة ؟ أم نقحت بطريقة أخرى لم يعرفها المستشرقون أو عرفوها ولم يفصحوا عنها ؟ ! لقد اطّرح المستشرقون كل ما توصل إليه المسلمون باجتهادهم في فهم معاني الحروف المقطعة ، وافترضوا هم مفاهيم من وحى خيالهم لا تمتّ إلى القرآن بأدنى صلة . إنهم لم يقتنعوا بطبيعة التركيب القرآني الذي يقتضى نفسه - من وجهة نظرنا - على الأقل وجود الحروف المقطعة قبل الآية أو الآيات التي تليها ، ولم يكتفوا كذلك بأقوال الصحابة أو بأقوال أهل العلم فيها ؛ بل اخترعوا تفسيرات من عند أنفسهم رضوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعتوا . قال المستشرق بعد أن عدّد آراء المسلمين في تفسير معاني هذه الحروف ، بأنها ليست جزءا من القرآن وإنما هي رموز وإشارات حروفية إلى أصحاب تلك النسخ من القرآن ، ومنذ أن قدم نولدكه هذا الزعم حاول عدد كبير من المستشرقين تدعيمه والتدليل عليه ، فهم يقولون إن هذه الحروف إنما هي إشارات ورموز كانت تومئ إلى أسماء أصحاب هذه النسخ من المصاحف التي جمعها زيد بن ثابت فيما بعد واستعملها في إخراج نسخته التي كلف بجمعها ، فمثلا " أل " رمز للزبير بن العوام ، و " أل م ر " للمغيرة ( ابن شعبة ) ، و " حم " لعبد الرحمن ؛ ويزعم نولدكه بأن هذه الحروف المقطعة وجدت طريقها إلى القرآن بمحض الصدفة ، بمعنى أنهم ضموها إلى القرآن ظنا منهم أنها جزء من التنزيل . هذا الرأي تبناه