محمد محمد أبو ليلة

137

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

الكافرين ؛ باللّه متى اجتمع بهم رسول صلى اللّه عليه وسلم ، ومتى هادنهم ، وهو الذي صك أسماعهم ، وصدع فيهم بأمر اللّه تعالى ، وهو القائل لعمه أبى طالب ( يا عم ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره اللّه ، أو أهلك دونه ) « 1 » . " وقد ثبتت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى اللّه عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير اللّه تعالى وهو كفر ، أو يسور ( يتسلط ) عليه الشيطان ويشبّه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام ، وذلك ممتنع في حقه صلى اللّه عليه وسلم ؛ أو يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم من قبل نفسه عمدا ، وذلك كفر . . أو سهوا ، وهو معصوم من هذا كله ؛ واستحالة جريان الكفر على قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم أو لسانه لا عمدا ، ولا سهوا . . أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان ؛ أو يكون للشيطان عليه سبيل ؛ أو أن يتقوّل على اللّه تعالى عمدا ، ولا سهوا ما لم ينزل عليه . . . " « 2 » ناهيك بما في الحكاية من تكلف في المواقف واختلاف العبارات وغرابة ؛ فجميع المشركين يسجدون إلا اثنين منهما ، يقبضان حفنة من تراب ، ويسجدان عليها لضعفهما ، مع أن السّجدة جاءت في آخر السورة ، وهم لا علم لهم بالسجود ، وما كان لهم ليقلدوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم فيما لا يعلمون ، وأن يغيروا خطتهم هكذا سريعا لمجرد سماع بعض كلمات غير مفهومة تفصيلا ؛ وهو أمر يثقل على النفوس ، وبخاصة النفوس الموقرة بالحقد والغيظ ؛ ومصادم كذلك لأحكام الطبائع والنفوس ، وبخاصة العربية الجاهلية منها . أضف إلى ذلك أن الحديث جدّ مشكل ، وليس له في الصحاح أصل ولا فرع ، ولم يروه ثقة بسند متصل ؛ وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون ، المتيمون بكل غريب ، المفتنون بكل سقيم وصحيح دون تمييز كما أوضحناه . إن هذا الدين قد ابتلى بأهل الأهواء ، والملاحدة ، والزنادقة الذين حاولوا أن يصلوا إلى تحريف القرآن وهيهات . ذكر القاضي عياض قول أبى بكر البزار أن هذا الحديث لم يرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بإسناد متصل ؛ وإنما عرف

--> ( 1 ) ابن هشام سيرة ج 1 ص 240 . ( 2 ) الشفا ج 2 ص 293 - 294