محمد محمد أبو ليلة

138

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

عن الكلبي ؛ والكلبىّ ممن لا تجوز الرواية عنهم . وقد أجمعت الأمة على عصمته صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وسئل محمد بن إسحاق عن هذه القصة فقال هي من وضع الزنادقة ؛ وقد صنف فيها كتابا . وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي إن هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، وطعن في روايتها . وللإمام الرازي نظرات متعمقة ومستوعبة لشعاب هذه المسألة ذكرها في تفسيره " مفاتيح الغيب " في سياق تفسيره لقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الآيات ( الحج : 52 : 54 ) . « 2 » وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن ، ولم يذكر فيها حكاية الغرانيق . وروى هذا الحديث من عدة طرق وليس فيه ذكر الغرانيق . وإن كنا نتردد في قبول إمكان سجود المشركين مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن اللّه تعالى يقول : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ( 21 ) ( الانشقاق : 20 - 21 ) . ويضيف القاضي عياض أن هذه القصة تستحيل نظرا وعرفا ؛ لأن الكلام لو صحت روايته لكان بعيد الالتئام متناقضا يمتزج فيه المدح بالذم ، ضعيف النظم ، مخلخل التركيب ، ولما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين ، وصناديد ( شجعان ) المشركين من يخفى عليه ذلك ؛ وهذا لا يخفى على أدنى متأمل ، فكيف بمن رجح حكمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ! ! ويضيف القاضي عياض دليلا عقليا وتاريخيا على ضعف القصة ووضعها السقيم أنه من عادة المنافقين ومعاندى المشركين ، وضعفة القلوب ، والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة ، وتخليط العدو على النبي صلى اللّه عليه وسلم لأقل حادثة ، وتعييرهم للمسلمين والشماتة بهم ، الفينة بعد الفينة ؛ وارتد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ؛ ولم يحك أنّ أحدا ارتد بعد تحت تأثير هذه الحكاية الضعيفة ؛ ولو صح وقوع هذه الحكاية لوجدت

--> ( 1 ) انظر : القاضي عياض الشفا ج 2 ، ص 291 - 292 . وعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي . تفسير الثعالبي الموسوم بالجواهر في تفسير القرآن . بيروت . مؤسسة الأعلمي للمطبوعات . بدون تاريخ . ج 3 ص 84 ، 85 . ( 2 ) انظر الفخر الرازي . مفاتيح الغيب ج 7 ، ص 298 وما بعدها . دار الغد / القاهرة 1999 م