محمد محمد أبو ليلة

117

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

أنهم لم يفكروا لما ذا كان محمد وحده هو القادر على حفظ التراث والمأثورات الشعبية ، ونظمها في سلك واحد ، سماه " القرآن " ؛ ونسأل أيضا لما ذا كان في مكة قرآن واحد ، ومحمد واحد ، ما دامت المسألة ترتكز على الجهود البشرية ؟ إن هذا لأمر عجاب . إن القرآن ليس ثقافة ولا مأثورات شعبية ولا اقتباسات من كتب ولا انعكاسات لبيئة أو ثقافة معينة ، وإنما هو كلام اللّه رب العالمين . ليس القرآن تجميعا لمواد غريبة متناقضة غير منسجمة ؛ ولكنه كلام اللّه الذي لا عوج فيه ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ ليس لأحد في القرآن آية ولا جزء آية . وأما زعم المستشرقين بأن القرآن لا يتضمن كلمة " أمّي " بمعنى انعدام القدرة على القراءة والكتابة فزعم متهافت وتحريف لألفاظ اللغة عن معانيها ، وتخصيص لمعاني الألفاظ بلا مبرر ، إذ أن المعنى الأول لكلمة " أمّي " هو عجز الشخص عن القراءة والكتابة ؛ هذا أمر بديهي ، ومن القواعد الأصولية المقررة أننا ينبغي ألا نخرج على ظاهر معنى اللفظة أو العبارة إلى غيره ، إلا لضرورة توجب ذلك ، شريطة أن تكون هذه الضرورة مؤيدة بالدليل . و " الأمي " بالمعنى الظاهر والمشهور مذكور في القرآن بصورة واضحة . وأما قول اليهود لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ( آل عمران : 75 ) ، فيمكن أن تكون بمعنى الأمية الكتابية أيضا ، وصف بها اليهود العرب باعتبار واقعهم من هذه الحيثية ؛ فقد كانوا أمة أمية ، لا تحسب ولا تكتب ، وكان اليهود يطلقون هذا الوصف على غيرهم من الأمم ، إظهارا لتفوقهم عليهم بالكتب الإلهية التي نزلت عليهم ، كما حكى عنهم القرآن قولهم وقول النصارى : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ( المائدة : 18 ) ، وننبه على أن كلمة ( Gentile ) ، التي يطلقها اليهود على الشعوب غير اليهودية ، تأتى النسبة منها هكذا " أممي " ، وليس " أمي " ؛ وعلى الرغم من هذا فإنه ليس هناك مانع في أن تحتمل الكلمة معاني كثيرة تحددها القرائن . يدعي ويلش ، علاوة على ما سبق ، أن تسمية " القرآن " ب " الكتاب " و " الوحي " إنما ظهرت في السور المدنية ، أو في أشكال التعبير القرآني في السور المدنية ؛ وذلك عندما دب النزاع بين محمد واليهود في المدينة ، وحدث التقاطع بينهما ، ويئس محمد صلى اللّه عليه وسلم من انحياز